التعديلات المطلوبة صوناً لحرية الصحافة واستقلال العمل الإعلامي / 3

3

بقلم د. ابراهيم العرب

حادي عشر: عدم تحويل المحتوى الإعلامي إلى شرط للترخيص

تستوجب المواد 43 و44 و47 مراجعة من منظور حماية الاستقلال التحريري. فليس من وظيفة القانون الإعلامي أن يحدد بصورة واسعة أنواع البرامج التي ينبغي الترويج لها أو يفرض توجهاً معيناً على المحتوى التحريري، ما لم يكن ذلك مرتبطاً بمعايير عامة ومشروعة تتصل بالتعددية وحماية القاصرين والمصلحة العامة.

ومن هنا، يبرز اقتراح شطب الفقرة الرابعة من المادة 43، وحذف الفقرتين الأخيرتين من المادة 44 المتعلقتين بتنوع البرامج والترويج للبرامج المنتجة محلياً، فضلاً عن شطب الفقرة الثانية من المادة 47 التي تجعل الالتزام بجميع شروط طلب الترخيص، بما فيها مواعيد البرامج، شرطاً لمنح الترخيص.

فالترخيص ينبغي أن يتعلق بالمتطلبات القانونية والفنية والمالية للمؤسسة، لا أن يتحول إلى وسيلة تدخل في الخط التحريري أو البرمجة الإعلامية.

ثاني عشر: خدمات البث والتوزيع

تشمل المراجعة المطلوبة كذلك المادة 53، ولا سيما حذف الجملة الأولى المتعلقة بفصل خدمات البث عن خدمة التعدد الرقمية، إضافة إلى إعادة النظر في المادة 54 بكاملها.

والسبب أن تنظيم العلاقات التجارية والفنية بين موردي خدمات البث والتوزيع ينبغي أن يتم وفق قواعد المنافسة والعقود والقضاء المختص، لا عبر منح هيئة إدارية صلاحيات واسعة للفصل في النزاعات التجارية بين الأطراف.

ثالث عشر: منع الاحتكار والتعددية الإعلامية

في المادة 66، تبرز الحاجة إلى إلغاء الفقرة “ب” التي تضع قيوداً على مساهمة بعض الأشخاص في شركات البث والإعلان، على أن يعاد تنظيم موضوع التركّز الإعلامي وفق معايير حديثة وموضوعية تمنع الاحتكار الحقيقي من دون تعطيل الاستثمار المشروع.

أما المادة 89، فيقترح تعديلها بحذف عبارة “وعدم الحجب أو التعتيم الممنهج على المواضيع وعلى الأشخاص” من مهام الهيئة المتعلقة بضمان التنوع والتعددية الإعلامية. فالعبارات القانونية التي تتصف بالغموض أو الاتساع قد تمنح الجهة الإدارية سلطة تقديرية واسعة في تحديد ما تعتبره “تعتيمًا ممنهجاً”، وهو أمر قد يمس مباشرة بالاستقلال التحريري.

رابع عشر: الغرامات والرقابة القضائية

أما المادة 90، فمن الضروري إعادة صياغتها بما يضمن عدم تحول الهيئة إلى جهة قضائية موازية. ففي حال مخالفة المؤسسة الإعلامية دفاتر الشروط، ينبغي أن تكون الآلية قائمة على الإنذار وإتاحة فرصة التصحيح، ثم إحالة المخالفة، عند الاقتضاء، إلى الجهات القضائية المختصة، بدلاً من منح الهيئة صلاحية فرض غرامات مالية مباشرة من دون ضمانات قضائية كافية.

وهذا التوجه ينسجم مع مبدأ الفصل بين الوظيفة التنظيمية والوظيفة القضائية، ويضمن للوسيلة الإعلامية حقها في الدفاع والطعن والمراجعة أمام قاضٍ مستقل.

خامس عشر: ضرورة وجود قانون تعديلي وطعن دستوري

إذا تم توقيع قانون الإعلام وإصداره بصيغته الحالية، فإن ذلك لا ينبغي أن يعني انتهاء النقاش التشريعي حوله. بل تصبح الحاجة قائمة إلى إعداد قانون خاص لتعديل قانون الإعلام الصادر، يعالج المواد الإشكالية بصورة شاملة، بدلاً من الاكتفاء بتعديلات جزئية ومتفرقة.

وفي الوقت نفسه، فإن بعض الأحكام التي قد تمس جوهر حرية التعبير وحرية الصحافة تستوجب دراسة إمكانية الطعن فيها أمام المجلس الدستوري، ولا سيما عندما يكون النص قابلاً لأن يفرض قيوداً غير متناسبة على الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.

فالرقابة الدستورية ليست مواجهة مع السلطة التشريعية، وإنما هي إحدى الوسائل الطبيعية لضمان انسجام التشريع مع القواعد الدستورية التي تسمو عليه.

في الختام، إن قانون الإعلام لا يقاس بكمية المواد التي يتضمنها، ولا بعدد الصلاحيات التي يمنحها للهيئات الناظمة، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في حماية سمعتهم وخصوصيتهم، وبين ضرورة التنظيم واستقلال العمل الصحافي.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس قانوناً يحمي السلطة من الإعلام، بل قانوناً يحمي الإعلام من أي سلطة يمكن أن تستخدم النص القانوني لإخضاعه أو ترهيبه. وليس المطلوب إعفاء الصحافي من المسؤولية، بل وضع نظام مسؤولية عادل، واضح، متناسب، يفرق بين الخطأ المهني وسوء النية، وبين النقد المشروع والتحريض الجرمي، وبين المصلحة العامة والتشهير.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله المشرّع هو أن يزرع في ذهن الصحافي الخوف من العقوبة قبل أن يزرع في ذهنه الثقة بالقانون. فحين يصبح الصحافي منشغلاً بالسؤال عمّا إذا كان نشر معلومة معينة قد يعرّضه للحبس، تتراجع الوظيفة الرقابية للإعلام، ويتقدم منطق الرقابة الذاتية، وتضيق المساحة التي يستطيع فيها المجتمع مساءلة السلطة.

ومن هذه الزاوية، لا بد من توجيه التحية والتقدير إلى نقابتي الصحافة والمحررين على الجهود التي بذلتاها في مواجهة الإشكاليات التي رافقت قانون الإعلام الجديد، وفي الدفاع عن مصالح الجسم الصحافي والإعلامي وعن حقوق العاملين في المهنة.

ويستحق نقيب الصحافة الأستاذ عوني الكعكي تقديراً خاصاً على حضوره في هذا الملف وحرصه المستمر على حماية الجسم الصحافي والإعلامي، وصون كرامة العاملين فيه، ورعاية شؤونهم، والتأكيد على أن التشريع الإعلامي يجب أن يكون مظلة لحماية المهنة لا أداة للضغط عليها.

وإذا كان الطموح الطبيعي للبنان أن يواكب الدول المتقدمة في تشريعاتها الإعلامية، فإن هذا الطموح لا يتحقق بمجرد إصدار قانون جديد، بل بمدى احترام هذا القانون لحرية الصحافة واستقلال المؤسسات الإعلامية وحق الصحافي في ممارسة مهنته من دون خوف. فالقانون الذي يضع الصحافي أمام احتمال السجن بسبب مفهوم غير منضبط لـ”الخبر الكاذب”، أو يمنح جهة إدارية صلاحيات واسعة في تقدير المحتوى والمخالفات، لا يمثل بالضرورة تحديثاً تشريعياً لمجرد أنه جديد في الشكل.

والأمل أن تكون المراجعة المقبلة فرصة لتصحيح المسار، بحيث لا يتحول قانون الإعلام من مشروع لتطوير المهنة إلى قيد جديد عليها. فلبنان الذي عُرف تاريخياً بهامش واسع من الحرية الصحافية يستحق قانوناً يليق بتاريخه، ويواكب مستقبله، ويضعه فعلاً بين الدول التي تنظر إلى حرية الإعلام باعتبارها ركناً من أركان الدولة الديمقراطية، لا استثناءً يُسمح به بقدر ما تسمح به السلطة.

إن حماية الصحافة ليست حماية لفئة مهنية فحسب؛ إنها حماية لحق المجتمع كله في أن يعرف، ويسأل، ويناقش، وينتقد، ويحاسب. وحين تُصان حرية الصحافي، لا تكون الدولة قد خسرت سلطة، بل تكون قد ربحت مجتمعاً أكثر وعياً، ومؤسسات أكثر شفافية، وديمقراطية أكثر رسوخاً.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.