الاتّفاق مع إسرائيل يمتحن الثّلث الأوّل للولاية
بقلم نقولا ناصيف
«أساس ميديا»
الانطباع الشائع أن لا تطوّر أو تقدّم مجدياً في الاتّفاق اللبنانيّ – الإسرائيليّ قبل نهاية السنة الحاليّة. ينتظره استحقاقان معروفان: الانتخابات الإسرائيليّة في تشرين الأوّل، فالانتخابات الأميركيّة في الشهر التالي. لكنّ ثمّة استحقاقاً ثالثاً لن يتأخّر طويلاً، محلّيّاً محضاً يقتضي أخذه في الحسبان: في مطلع كانون الثاني تكون انقضت السنة الثانية من ولاية الرئيس جوزف عون. أي أنّ ثلثها انقضى. على أنّ التجربة اللبنانيّة تعلّم أنّ للرئيس، كلّ رئيس، ولاية من ثلاثة أثلاث عليه أن يحسبها: في الثلث الأوّل يفرض خياراته في مطلع ولايته وينجح فيها، وفي الثلث الثاني يراعي توازنات الداخل بعد أن يكون صعد معارضوه فيعمل على تقليل خسائره، وفي الثلث الثالث يجد سبل مغادرته الحكم بضمان انتقال للسلطة وخروج من منصبه باحترام.
نجح الرئيس جوزف عون، كما عدد من أسلافه، في السنتين الأوليَين من عهده في فرض خياراته وسياساته على الأفرقاء، خصوصاً عندما ينجم انتخابه عن أوسع تأييد يتيح له إطلاق يده في الحكم. كأولئك، نجح في تحقيق الأهداف الأولى: حكومة مختلفة، تلتها تعيينات مرضية، مروراً بقرارات مهمّة أبرزها حصر السلاح في يد الدولة ونزع الشرعيّة عن “مقاومة” الحزب ونعته بتنظيم خارج القانون، وصولاً إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل. بعض من هذه الإجراءات شهدها عدد من أسلافه. يكاد يكون الرئيس أمين الجميّل وحده من قاسمه التفاوض المباشر مع إسرائيل. في نهاية المطاف لا يُمتحن العهد، أيّ عهد وأيّ رئيس على رأسه، إلّا في السنتين الأوليَين اللتين تحكمان على مصير الثلثين الباقيَين.
ربّما ذلك ما يبرّر عجلة رئيس الجمهوريّة، لإحراز تقدّم أساسيّ في تنفيذ الاتّفاق اللبنانيّ – الإسرائيليّ الذي ذهب إليه وكان خياره مع أكثرية نيابية لافتة.
ما فعله سلفه، الجميّل، تجنّبه عون: لم يذهب الرئيس الأسبق بمفرده لبنانيّاً إلى التفاوض المباشر مع الدولة العبريّة، إذ كان شركاؤه فيه رئيس البرلمان آنذاك الرئيس كامل الأسعد وحكومة الرئيس شفيق الوزّان والغالبيّة النيابيّة. ناقشت المؤسّسات الدستوريّة هذا الاتّفاق عام 1983 في جلسات سرّية وصادقت عليه في جلسات علنيّة، على الرغم من معارضة سوريا وحلفائها له، ولم يكن في وسعهم الحؤول دون ذاك المسار، إلى أن أحجم الجميّل عن إبرامه بعدما أقرنت إسرائيل تنفيذه بشروط لم ترد في متن الاتّفاق. مذّاك سقط دستوريّاً قبل أن تندلع الحروب التالية المعزوّ إليها أنّها أسقطته برعاية دمشق، ولم ترمِ إلّا إلى إعادة سوريا إلى الداخل اللبنانيّ.
ذهب الرئيس الحاليّ خلافاً لسلفه إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل. كانت أميركا نفسها بينهما راعية التفاوض. لا رئيس الحكومة نوّاف سلام شريك في الاتّفاق علناً على الأقل، وإن كان هو وحكومته بأغلبيتها تؤيّد المسار عندما يقول إنّ ملفّ التفاوض في يد رئيس الجمهوريّة، فيما الرئيس نبيه برّي يضع شرط الانسحاب الإسرائيلي لموافقته على المفاوضات.
امتحان صعب
قبل أشهر قليلة من انقضاء الثلث الأوّل من الولاية، المفترض أنّه المرحلة الأقوى والأكثر اندفاعاً، يبدو العهد والاتّفاق مع إسرائيل أمام امتحان جدّيّ.
بعض الأسباب المعزوّة إلى ذلك:
1 – بات يواجه الاتّفاق كخيار، تماماً كخيار “الحزب”، الاستنزاف الطويل الأمد المنهك قبل أن يمسي مدمّراً. ومثلما آلت حرب “الحزب” إلى الوقوع في فخّ نصبه لنفسه بأن أفضت “المقاومة” إلى احتلال يتوسّع تدريجاً بالقضم، فيما هو يلتزم وقف النار ولم يعد يسعه سوى الدفاع عن نفسه لتفادي مزيد من الخسائر. وهي حال مرتفع علي الطاهر يدافع عنه دونما تمكنه من تحرير شبر واحد من الأراضي المحتلّة.
ليس الاتّفاق مع إسرائيل أحسن حالاً. دخل في استنزاف على الأقلّ حتى نهاية السنة. لا وقف للنار بينما أخفقت المناطق التجريبيّة بالتزامن مع ما هو أدهى في المواقف التي يدلي بها المسؤولون الإسرائيليّون: لا يتحدّثون عن لبنان كدولة يفاوضونها، بل دولة يحتلّونها بتأكيد إصرارهم على المضيّ في الحرب، وبرفض الانسحاب من الأراضي التي احتلّوها.
أين بقيّة المؤسّسات؟
2 ـ لأنّ رئيس الجمهوريّة، بصفته سلطة دستوريّة، وحده يدافع عن الاتّفاق مع إسرائيل، يفتقر استمرار التفاوض إلى أوسع تأييد وتضامن دستوريّ من حوله. هذا هو مغزى التذمّر الذي يبديه وزراء لم يطلعهم عون في مجلس الوزراء، منذ الجولة الأولى حتّى السابعة الأخيرة حتّى الآن، على حدّ أدنى من المعطيات المرتبطة بالتفاوض.
للرئيس ذريعتان: الأولى أنّه يعتبره اتّفاق إطار وليس اتّفاقاً، مع أنّه كذلك، وهو على صورة اتّفاق 17 أيّار في بعض جوانبه الإجرائيّة. بينما الاتّفاق الملغى نصّ على لواء خاصّ للجيش ينتشر في مناطق تنسحب منها إسرائيل، ينصّ الاتّفاق الحاليّ على مناطق تجريبيّة ينتشر فيها الجيش ويحلّ محلّ الجيش الإسرائيليّ. الفارق الجوهريّ بين المرحلتين أن مجلس وزراء عام 1983 ألمّ بمراحل التفاوض ووافق عليها.
ثانية ذرائع الرئيس أنّه يفاوض إسرائيل بموجب المادّة 52 من الدستور المنيطة به هذا الاختصاص، وهو ما يعني أنّه يطلع سلام على محطّات الجولات. يميّز بين المادّة 52 النافذة وتلك التي رافقت اتّفاق 17 أيّار، وهماّ الشرطان اللذان أدخلهما عليها اتّفاق الطائف: أوّلهما تولّي رئيس الجمهوريّة التفاوض والإبرام بالاتّفاق مع رئيس الحكومة. وثانيهما عدم الإبرام إلّا بعد موافقة مجلس النوّاب.
المشترك بين ما قبل والآن في المادّة 52 أنّ اطّلاع البرلمان على الاتّفاق في ضوء “مصلحة البلاد وسلامة الدولة”. حُجِب الاتّفاق الحاليّ عن مجلس الوزراء بحجّة المادّة 52، وعن مجلس النوّاب بحجّة عدم إبرامه لأنّه إطارا ليس إلّا، مع أنّه وُقّع وبوشر تنفيذه، وهو ما لم يُتَح لاتّفاق 17 أيّار.
الرّهان على الأميركيّين
3 ـ ما يلمسه وزراء في أحاديث خاصّة مع عون هو إعجاب بالإدارة الأميركيّة ورئيسها والرهان عليهما. في لحظات معيّنة يستعيد الرئيس صورة قائد الجيش الذي كان فيه عندما يتكلّم بإسهاب وإطراء عن قيادة المنطقة الوسطى الأميركيّة (سنتكوم) التي خبر العلاقة معها مراراً في السنوات الثماني له في اليرزة وثقته بها. ممّا يقوله أيضاً أنّ ثمّة فرصة نادرة للبنان للتخلّص من ربطه باتّفاق إسلام آباد ما إن تعطّلت مذكّرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة، قبل أن يلاحظ أن الأميركيين في نهاية المطاف سيضغطون على إسرائيل لتطبيق الاتّفاق “في الوقت المناسب”.
يلمس عون أيضاً أنّ الإدارة الأميركيّة “معصّبة” من التعنّت الإسرائيليّ في رفض الانسحاب، لكنّه يجزم أن لا عودة عن الاستمرار في التفاوض والتمسّك بالاتّفاق، مع أنّه لم يعطِه فعليّاً وجدّيّاً سوى زيارة واشنطن حتى الآن.
نقولا ناصيف
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.