المولد النبوي الشريف بين الفرح العاطفي والاقتداء العملي
بقلم الشيخ د. أسامة حداد
المفتش العام للأوقاف في دار الفتوى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران].
لقد أكرم الله تعالى هذا الكون بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان مولده منحة كبرى للبشرية جمعاء. لم يكن حدثًا تاريخيًا عاديًا، بل كان منعطفًا مصيريًا غيَّر وجه العالم، إذ انتقل الناس من ظلمات الجهل والوثنية والتفرقة القبلية، إلى نور التوحيد والوحدة والرحمة.
مولده صلى الله عليه وسلم ميلاد للأمة
لم يكن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ميلاد إنسان فقط، بل ميلاد أمة، وبداية حضارة إنسانية متفردة. فقد جاء ليضع الأسس لنهضة شاملة في مجالات الأخلاق والاجتماع والسياسة والعلم، قائمة على الإيمان بالله وحده، وعلى تكريم الإنسان أيًا كان لونه أو نسبه.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه المهمة بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران].
مولده رحمة للعالمين
لقد أرسله الله تعالى رحمة عامة، كما قال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء]. فرحم الضعيف، وعطف على اليتيم، وساوى بين الناس، ورفع مكانة المرأة، وكرم الفقير، وأرسى قواعد العدل والحرية. ولم تكن رحمته خاصة بالمسلمين، بل شملت كل من عاش معه أو تعامل معه، حتى أعداؤه شهدوا بعظيم خُلقه وصفاء سريرته.
مولده ميلاد الأخلاق
قال الله تعالى في وصفه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]. وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
لقد كان صلى الله عليه وسلم مثالًا للتواضع، فلم يتكبر على فقير ولا غني، يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم نفسه بنفسه. وكان نموذجًا للتسامح والعفو، فقد عفا عمن آذوه، وصفح عن من طردوه من مكة المكرمة، وقال لهم يوم فتحها: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
القدوة في بيته ومجتمعه
كان صلى الله عليه وسلم في بيته أحنّ الأزواج وأرأف الآباء، يدخل السرور على أهله، ويمازحهم ويلاطفهم. وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان خُلُقُه القرآن».
وفي مجتمعه كان حاضرًا في قضايا الناس، يزور المريض، ويعزي المصاب، ويشارك في الأفراح، ويبادر لحل المشكلات. ولذلك وثق الناس به، واجتمعوا حوله، وأسس بهم مجتمعًا متماسكًا متآلفًا.
القائد المربي
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قائدًا عسكريًا أو سياسيًا فقط، بل كان قائدًا مربيًا، يغرس القيم في نفوس أصحابه، ويحمّلهم المسؤولية، ويقول: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري).
ومن خلال تربيته تحوّل الصحابة رضي الله عنهم من أناس بسطاء متنازعين إلى رجال قادة للأمم، حملوا الرسالة إلى مشارق الأرض ومغاربها.
حبٌّ صادق لا دعوى كاذبة
أحبابي القراء
إن محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم ليست شعارات نرفعها، ولا كلمات نرددها فقط، بل هي التزام عملي. فليس حب النبي أن نصلي عليه ثم نسيء الأخلاق، ولا أن نفرح بذكراه ثم نظلم الناس ونغتابهم. ألم يقل صلى الله عليه وسلم عن المرأة الصوّامة القوّامة التي تؤذي جيرانها بلسانها: «لا خير فيها، هي في النار» (رواه أحمد)؟
إذن الفرح بالمولد النبوي الشريف جميل ومحبب، لكن الأجمل أن يفرح النبي صلى الله عليه وسلم بنا، بأعمالنا وسلوكياتنا، بصدقنا وأمانتنا، بتعاوننا وتآلفنا.
رسالة المولد اليوم
في ظل ما نعيشه من أزمات أخلاقية واجتماعية وسياسية، نحن أحوج ما نكون إلى أن نجعل ذكرى المولد النبوي الشريف نقطة انطلاق جديدة:
لنربي أبناءنا على محبة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.
لنصحح سلوكنا ومعاملاتنا.
لنغرس قيم الرحمة والعدل في حياتنا.
لنكون قدوة في العمل والإخلاص وخدمة المجتمع.
لننبذ التعصب والتطرف والطائفية والمذهبية.
لنكون متآلفين مع بعضنا، متعايشين مع محيطنا.
فمولده صلى الله عليه وسلم ليس ذكرى تاريخية فحسب، بل دعوة متجددة لإحياء سنته وأخلاقه في واقعنا.
وفي الختام
اللهم اجعلنا من الصادقين في محبتك ومحبة نبيك صلى الله عليه وسلم، ووفقنا لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، وأحينا على سنته، وأمتنا على محبته، واحشرنا في زمرته، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهم اجعل هذه الذكرى المباركة مولدًا جديدًا للخير في أوطاننا، وتفريجًا للكروب عن أمتنا، وفرجًا عاجلًا عن أهلنا في فلسطين وسائر بلاد المسلمين.
وكل عام وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسنته حيّة فينا وفي سلوكنا ومجتمعنا.
الشيخ د. أسامة حداد
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.