انتخابات التجديد النصفي الأميركية وأثرها على مستقبل الشرق الأوسط؟
بقلم د. ابراهيم العرب
تشكل انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 واحدة من أكثر المحطات السياسية أهمية في الدورة الدستورية للولايات المتحدة؛ فهي لا تقتصر على إعادة توزيع المقاعد داخل الكونغرس، وإنما تمثل استفتاءً سياسياً على أداء الإدارة الأميركية بعد مرور عامين على توليها السلطة، كما تؤسس للمرحلة التي تسبق الانتخابات الرئاسية لعام 2028. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على الداخل الأميركي، بل تمتد آثارها إلى مختلف أقاليم العالم، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، التي ما زالت تحتلّ موقعاً محورياً في الاستراتيجية الأميركية، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو الطاقة أو التنافس مع القوى الدولية الكبرى.
ويقوم النظام التشريعي الأميركي على كونغرس ذي مجلسين، هما مجلس الشيوخ ومجلس النواب، في صيغة دستورية تحقّق التوازن بين تمثيل الولايات وتمثيل السكان. فمجلس الشيوخ يضم مئة عضو، يمثل كل ولاية عضوان بغض النظر عن حجمها السكاني، وتستمر ولاية العضو ست سنوات، مع تجديد نحو ثلث المقاعد كل عامين. أما مجلس النواب، فيضم 435 عضواً توزع مقاعدهم وفق عدد السكان، وتجرى الانتخابات لجميع أعضائه كل سنتين، الأمر الذي يجعل هذا المجلس أكثر ارتباطاً بالتقلبات المزاجية للناخب الأمريكي.
وتأتي انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 في ظل أغلبية جمهورية ضيّقة داخل مجلسي الكونغرس؛ إذ يمتلك الجمهوريون أفضلية محدودة في مجلس الشيوخ، كما يحتفظون بأغلبية هشّة في مجلس النواب، وهو ما يجعل أيّ تغير محدود في نتائج الولايات المتأرجحة كفيلاً بقلب موازين القوى بالكامل. ولذلك، ينظر المراقبون إلى هذه الانتخابات باعتبارها معركة سياسية على مستقبل السلطة في واشنطن أكثر من كونها انتخابات تشريعية اعتيادية.
وتكتسب ولايات مثل كارولاينا الشمالية ومين، وأوهايو وآيوا، وفلوريدا وتكساس، أهمية استثنائية في سباق مجلس الشيوخ، في حين تبقى ولايات جورجيا وميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن ساحات رئيسية للمنافسة على مجلس النواب. ويعكس ذلك الطبيعة المركّبة للنظام الانتخابي الأميركي، حيث قد تحدّد بضعة آلاف من الأصوات مستقبل السياسة الأميركية بأكملها.
وتتأثر نتائج الانتخابات بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فالاقتصاد يبقى العامل الأكثر حسماً في سلوك الناخب الأميركي؛ إذ يؤدي تحسّن معدلات النمو، وانخفاض التضخم، واستقرار سوق العمل إلى تعزيز فرص الحزب الحاكم، بينما تؤدي الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقوية المعارضة. كما تؤثر شعبية الرئيس بصورة مباشرة في نتائج الانتخابات، باعتبار أن انتخابات التجديد النصفي تمثل تقويماً عملياً لأداء الإدارة أكثر منها منافسة بين مرشحين فقط.
ولا تقل القضايا السياسية أهمية عن الاقتصاد، وفي مقدمتها ملفات الهجرة وأمن الحدود، والإنفاق الحكومي، والسياسات الضريبية، فضلاً عن السياسة الخارجية والأمن القومي، وهي ملفات أصبحت محوراً أساسياً في الخطاب الانتخابي الأميركي. كما تلعب إعادة رسم الدوائر الانتخابية دوراً مؤثراً في تحديد فرص الحزبين داخل مجلس النواب، بينما تبرز القضايا الاجتماعية، كالرعاية الصحية والتعليم والإجهاض، بوصفها عناصر رئيسية في توجيه أصوات الناخبين، ولا سيما في الولايات المتأرجحة.
ومن جهة أخرى، تزداد أهمية الشباب في انتخابات 2026 بصورة غير مسبوقة؛ إذ يمثل جيل الشباب، كتلة انتخابية ضخمة قادرة على تغيير النتائج في العديد من الولايات، خصوصاً إذا نجح أحد الحزبين في تعبئة هذه الفئة وحشدها للمشاركة بكثافة. وإلى جانب ذلك، تبقى الانتخابات الأميركية عرضة لما يعرف في علم السياسة بـ”البجعة السوداء”، أي الأحداث المفاجئة التي قد تقلب المشهد خلال الأسابيع الأخيرة، كالأزمات الاقتصادية أو التطورات الأمنية، أو القرارات القضائية المثيرة للجدل، أو التصعيد في الساحات الدولية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنتائج الانتخابات:
السيناريو الأول: يتمثل في استمرار السيطرة الجمهورية على مجلسي الكونغرس، وهو احتمال يستند إلى امتلاك الحزب الجمهوري أفضلية تنظيمية وتمويلية، إضافة إلى وجود قاعدة انتخابية محافظة قوية في عدد كبير من الولايات. كما أن نجاح الإدارة في المحافظة على مؤشرات اقتصادية مستقرة، واستمرار التركيز على قضايا الهجرة وأمن الحدود، قد يمنح الجمهوريين فرصة الاحتفاظ بالأغلبية.
أما السيناريو الثاني: فيقوم على نجاح الحزب الديمقراطي في تحقيق مكاسب كافية لاستعادة الأغلبية، وخاصة داخل مجلس النواب، مستفيداً من التقليد السياسي الأمريكي الذي يشهد غالباً تراجع الحزب الحاكم في انتخابات التجديد النصفي، فضلاً عن احتمال تأثر الناخبين بأي تباطؤ اقتصادي أو ارتفاع في معدلات التضخم خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات.
ويبقى السيناريو الثالث: وهو الأكثر ترجيحاً لدى العديد من المراقبين، قائماً على انقسام السيطرة بين الحزبين؛ بحيث يستعيد الديمقراطيون مجلس النواب، بينما يحتفظ الجمهوريون بمجلس الشيوخ، الأمر الذي يعيد واشنطن إلى حالة الجمود التشريعي، ويقيّد قدرة الإدارة على تمرير مشاريعها الكبرى، ويجعل السياسة الأمريكية أكثر خضوعاً للتوافقات الحزبية.
غير أن أهمية هذه الانتخابات بالنسبة لمنطقتنا لا تكمن فقط في تحديد الأغلبية داخل الكونغرس، بل في انعكاساتها المباشرة على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فالكونغرس يمتلك صلاحيات مؤثرة في إقرار الموازنات العسكرية، والمساعدات الخارجية، والعقوبات الاقتصادية، والموافقة على التعيينات العليا، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، الأمر الذي يمنحه دوراً محورياً في رسم السياسة الخارجية.
وفي حال استمرار الأغلبية الجمهورية، فمن المرجح أن تستمر السياسة الأميركية في إعطاء الأولوية لملفات الردع العسكري، وتعزيز التحالفات التقليدية، وتشديد العقوبات على الخصوم، مع استمرار التركيز على أمن إسرائيل، واحتواء النفوذ الإيراني، وتوسيع مسارات التطبيع الإقليمي، إضافة إلى زيادة الضغوط المتعلقة بملفات الهجرة والإرهاب.
أما إذا تمكن الديمقراطيون من تحقيق تقدّم داخل الكونغرس، فقد نشهد ميلاً أكبر نحو الدبلوماسية، وإعادة فتح قنوات التفاوض في بعض الملفات الإقليمية، مع تشديد الرقابة على استخدام القوة العسكرية، وإعطاء مساحة أوسع للقضايا الإنسانية وحقوق الإنسان في صياغة السياسة الخارجية، وإن كان ذلك لن يؤدي إلى تغيير جذري في الثوابت الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.
وبالنسبة للبنان، فإن نتائج الانتخابات ستنعكس بصورة غير مباشرة على حجم الدعم الأميركي للمؤسسات الشرعية، وعلى الموقف من الإصلاحات الاقتصادية، وآليات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى استمرار الاهتمام بملفات أمن الحدود، وتنفيذ القرارات الدولية، ودعم الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوطنية التي تحظى بإجماع واسع داخل دوائر القرار الأميركية.
كما أن مستقبل العلاقات الأميركية مع إيران، ومسار الحرب في غزة، والتطورات في سوريا والعراق واليمن، سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتوازنات الجديدة داخل الكونغرس، لأن أي تغيير في الأغلبية سيؤثر في حجم الضغوط السياسية والمالية التي تستطيع الإدارة الأميركية ممارستها، وفي هامش المناورة المتاح أمام البيت الأبيض في إدارة الأزمات الدولية.
إن انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 ليست مجرد محطة انتخابية داخلية، بل تمثل مفترقاً استراتيجياً سيحدّد اتجاه القوة الأميركية خلال السنوات اللاحقة. فنتائجها ستعيد رسم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وستحدد قدرة الإدارة على تنفيذ برامجها الداخلية والخارجية، كما سترسم ملامح السباق الرئاسي لعام 2028.
أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن أهمية هذه الانتخابات تكمن في أنها ستحدد الإيقاع الذي ستدار به ملفات المنطقة، وليس جوهر المصالح الأميركية فيها؛ إذ إن الثوابت الاستراتيجية للولايات المتحدة غالباً ما تتجاوز التنافس الحزبي، بينما تختلف الأدوات والأساليب بين إدارة وأخرى وبين أغلبية وأخرى داخل الكونغرس. ومن هنا، فإن دول المنطقة مطالبة بقراءة نتائج الانتخابات الأميركية من منظور استراتيجي بعيد المدى، لأن التحولات التي ستنتج عنها لن تقتصر على واشنطن، بل ستنعكس على خرائط التحالفات، والأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، وتوازنات الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.