جوزاف عون… بين الواقعية السياسية وتحديات الميدان

14

بقلم دافيد عيسى
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُختبر الدول فحسب، بل تُختبر أيضاً القيادات التي تتولى مسؤولية إدارتها.
ولم تكن الحرب الإسرائيلية على لبنان مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكّلت واحدة من أكثر المحطات عنفاً ودماراً ونزوحاً في تاريخ البلاد الحديث، بما حملته من تداعيات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية، وبما أثارته من تساؤلات عميقة حول مستقبل الدولة اللبنانية ودورها في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
وسط هذه العاصفة، وجد رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه أمام اختبار بالغ الصعوبة.
فمن جهة، كان مطالباً بالدفاع عن سيادة لبنان ورفض الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت أراضيه، ومن جهة أخرى كان عليه الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي ومنع البلاد من الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز قدرة اللبنانيين على الاحتمال.
منذ الأيام الأولى للأزمة، بدا واضحاً أن جوزاف عون اختار نهجاً يقوم على الواقعية السياسية أكثر مما يقوم على الخطاب التصعيدي.
فقد ركّز على دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وعلى أهمية العمل الدبلوماسي في استقطاب الدعمين العربي والدولي، مع التأكيد الدائم على حق لبنان في الدفاع عن سيادته ورفض أي انتهاك لأرضه.
وبالنسبة إلى مؤيديه، شكّل هذا الخيار تعبيراً عن قراءة دقيقة للواقع اللبناني.
فالدولة التي تعيش أزمة مالية خانقة وشللاً مؤسساتياً عميقاً لم تكن تملك ترف المغامرة أو القدرة على تحمّل حرب مفتوحة.
لذلك رأوا أن مسؤولية رئيس الجمهورية تقتضي حماية لبنان من الانهيار الكامل، لا الانخراط في مزايدات سياسية قد تقود إلى نتائج كارثية.
في المقابل، ينظر منتقدو الرئيس، وفي طليعتهم الثنائي الشيعي، إلى المسألة من زاوية مختلفة.
فهم يعتبرون أن حجم الاعتداءات الإسرائيلية وما رافقها من دمار وخسائر بشرية كان يستدعي مواقف أكثر حزماً ووضوحاً، وأن الاكتفاء بالدبلوماسية والرهان على المجتمع الدولي لم يكن كافياً لردع إسرائيل أو وقف انتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية.
غير أن أي تقييم موضوعي لمواقف جوزاف عون يبقى ناقصاً إذا تجاهل العامل الإيراني، الذي شكّل أحد أبرز عناصر المشهد السياسي والعسكري خلال الحرب.
فمنذ سنوات، لم يعد الصراع على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية شأناً لبنانياً صرفاً، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية والدولية، تتداخل فيها حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.
ومع وجود حزب الله كقوة سياسية وعسكرية أساسية ترتبط بتحالف استراتيجي مع طهران، بات لبنان ساحة تتقاطع فوقها مصالح متناقضة تتجاوز حدوده الجغرافية.
ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من مقاربة جوزاف عون، الذي بدا مقتنعاً بأن استمرار ربط القرار اللبناني بصراعات المحاور يضعف الدولة ويحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة تخدم المصلحة الوطنية أولاً.
لذلك ركّز في خطاباته ومواقفه على استعادة الدولة لدورها السيادي، وعلى حصر القرارات المصيرية بمؤسساتها الشرعية.
وفي هذا السياق، لم يكن الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة مجرد موقف داخلي، بل جزءاً من رؤية أشمل تقوم على إخراج لبنان تدريجياً من دائرة الصراعات الإقليمية التي دفع أثمانها الباهظة على مدى عقود.
في المقابل، يرفض خصوم هذا الطرح تحميل إيران وحدها مسؤولية تعقيدات المشهد اللبناني، معتبرين أن التركيز على النفوذ الإيراني يتجاهل استمرار التهديد الإسرائيلي للبنان، كما يتجاهل حقيقة أن شريحة واسعة من اللبنانيين ما زالت تنظر إلى سلاح حزب الله بوصفه عنصراً أساسياً في مواجهة إسرائيل وردعها.
وبين هاتين المقاربتين، وجد جوزاف عون نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن بناء دولة قوية وموحدة في ظل انقسام داخلي حول مفهوم السيادة نفسه؟ وكيف يمكن تحييد لبنان عن صراعات المنطقة فيما لا تزال تلك الصراعات تتدفق إلى الداخل اللبناني من أكثر من اتجاه؟
هنا تحديداً تكمن أهمية التجربة التي يخوضها الرئيس.
فهو لم يقدّم نفسه قائداً لمحور سياسي أو امتداداً لمشروع إقليمي، بل حاول التموضع كرئيس للدولة اللبنانية بكل مكوناتها السياسية.
وقد أكسبه هذا الخيار دعماً من فئات ترى في الدولة المظلة الوحيدة القادرة على حماية اللبنانيين، كما جلب له انتقادات من قوى تعتبر أن الظروف الإقليمية لا تسمح بمثل هذا الفصل بين الداخل اللبناني والصراعات المحيطة به.
وفي المحصلة، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان جوزاف عون قد أخطأ أو أصاب في مواقفه خلال الحرب، بل ما إذا كانت الظروف اللبنانية والإقليمية تسمح أصلاً بخيارات مختلفة.
فالرئيس تحرّك ضمن مساحة ضيقة بين خطر الحرب الإسرائيلية، وتعقيدات الانقسام الداخلي، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي والتوتر المستمر بين طهران وواشنطن.
لذلك، لا ينبغي أن يُبنى الحكم على تجربته على المواقف والخطابات وحدها، بل على النتائج التي ستتكشف مع مرور الوقت.
فإذا نجح لبنان في تعزيز مؤسساته، واستعادة قراره الوطني، وتقليص تأثير صراعات المحاور على واقعه الداخلي، فسيُنظر إلى الواقعية السياسية التي اعتمدها جوزاف عون بوصفها رؤية بعيدة المدى.
أما إذا بقي لبنان أسير الأزمات والانقسامات نفسها، فسيظل الجدل قائماً حول ما إذا كانت الواقعية وحدها كافية لمواجهة تحديات بهذا الحجم.
وفي انتظار أن تتضح نتائج هذه المرحلة المضطربة، يبقى مؤكداً أن جوزاف عون يخوض واحدة من أصعب التجارب الرئاسية في تاريخ لبنان الحديث.
فالتحدي الذي يواجهه لا يقتصر على إدارة تداعيات حرب مدمرة، بل يتعداه إلى محاولة إعادة الاعتبار للدولة في بلد تتنازعه الانقسامات الداخلية وصراعات المحاور الإقليمية.
وعند هذه النقطة تحديداً، لن يكون الحكم على تجربته مرتبطاً بما قاله خلال الحرب، بل بما إذا كان سينجح في تحويل الواقعية السياسية إلى مشروع دولة قادر على الصمود والاستمرار.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.