جوزاف عون في روما… هل تحوّلت إيطاليا إلى رافعة دولية للبنان؟
بقلم دافيد عيسى
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا والفاتيكان مجرد محطة بروتوكولية في جدول زياراته الخارجية، بل جاءت في لحظة دقيقة من مسار التفاوض حول الجنوب اللبناني وتنفيذ «اتفاق الإطار»، وفي ظل حاجة لبنان إلى توسيع دائرة الدعم الدولي لموقفه، وتحويل التعاطف السياسي مع قضيته إلى ضغط دبلوماسي فعلي يساهم في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتثبيت سيادة الدولة اللبنانية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الزيارة حققت مكسبًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا، وإن كانت لم تنتج بعد نتائج تنفيذية حاسمة على الأرض.
فقد نجح عون في نقل الموقف اللبناني إلى مستويين متكاملين:
المستوى السياسي الإيطالي، والمستوى الديني والدبلوماسي الذي يمثله الكرسي الرسولي.
والأهم أن المحادثات لم تقتصر على العناوين العامة المتعلقة بالاستقرار والسيادة والسلام، بل تناولت بصورة مباشرة «اتفاق الإطار» والصعوبات التي تعترض تنفيذه.
وتكتسب محطة الفاتيكان أهمية خاصة في هذا السياق.
فقد أعلن الكرسي الرسولي، عقب لقاء البابا لاوُن الرابع عشر بالرئيس عون، عن «قلق جدي» إزاء الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، مؤكدًا دعمه للجهود الرامية إلى تطبيقه.
وهذه الإشارة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، لأنها تعني أن الفاتيكان يتعامل مع الاتفاق باعتباره مسارًا سياسيًا ينبغي أن يقود إلى نتيجة، لا مجرد وثيقة تفاوضية.
كما طلب الرئيس عون من البابا والكرسي الرسولي مواصلة دعم لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بتنفيذ الاتفاق ووقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي.
ومن هنا تبرز أهمية «المظلة» التي يستطيع الفاتيكان توفيرها للبنان.
فالكرسي الرسولي لا يملك أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني التي تملكها الولايات المتحدة أو القوى الكبرى، لكنه يمتلك نوعًا آخر من النفوذ، يقوم على الثقل المعنوي والديني والدبلوماسي، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وقدرة على مخاطبة الرأي العام وصنّاع القرار من موقع يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
وتكمن قيمة هذا الدور في إمكانية نقل قضية لبنان من كونها مجرد ملف حدودي وأمني إلى قضية تتصل بالسلام والعدالة واحترام الاتفاقات الدولية وحماية المدنيين وسيادة الدول.
فالمطلوب ليس أن يتحول الفاتيكان إلى طرف مواجهة مع إسرائيل، بل أن يرسخ، بصورة مستمرة، فكرة أن الاتفاقات يجب أن تُنفذ، وأن استمرار الاعتداءات وتعطيل مسار التسوية لا يمكن أن يصبحا أمرًا طبيعيًا ودائمًا.
أما إيطاليا، فدورها أكثر مباشرة. فروما ليست وافدًا جديدًا إلى الملف اللبناني، بل تمتلك منذ سنوات حضورًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا في لبنان، من خلال مشاركتها في «اليونيفيل»، ودعمها للجيش اللبناني، وعلاقاتها الوثيقة مع بيروت، فضلًا عن موقعها داخل الاتحاد الأوروبي وعلاقتها المهمة بالولايات المتحدة.
لكن الجديد هو اكتساب الدور الإيطالي بعدًا تفاوضيًا أكثر وضوحًا، بعدما استضافت روما جولات من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في إطار المسار الذي تيسّره الولايات المتحدة.
وهنا تكمن أهمية العاصمة الإيطالية: فهي لا تحل محل واشنطن في رعاية المفاوضات، ولا تملك وحدها القدرة على إلزام إسرائيل، لكنها تستطيع أن تكون منصة أوروبية ومسهّلًا مهمًا للمسار التفاوضي، مستفيدة من علاقاتها بواشنطن وبروكسل، وحضورها العسكري والأمني المباشر في لبنان، وعلاقاتها الدبلوماسية مع مختلف الأطراف.
وهذا ما ظهر في لقاء الرئيس عون مع رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، حيث بحث الجانبان ضرورة الضغط من أجل الالتزام بتطبيق «اتفاق الإطار»، إلى جانب الوضع في الجنوب ومستقبل «اليونيفيل». وهذه النقطة تكشف أن لبنان لا ينظر إلى إيطاليا فقط باعتبارها دولة صديقة، بل باعتبارها طرفًا يمكن أن يكون له تأثير متزايد في المرحلة المقبلة.
فالمسألة لا تتعلق فقط بمكان انعقاد المفاوضات، بل أيضًا بمستقبل الأمن والاستقرار في الجنوب.
وإيطاليا، بحكم مساهمتها في «اليونيفيل» ودورها في دعم الجيش اللبناني، تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا في النقاش حول المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى منع أي فراغ أمني، وتعزيز قدرات الدولة اللبنانية، وضمان انتقال منظم من مرحلة وقف إطلاق النار إلى مرحلة تثبيت الاستقرار وتنفيذ الاتفاق.
لكن هل يعني ذلك أن إيطاليا أصبحت بالفعل جزءًا من شبكة دولية تهدف إلى تكثيف الضغط على إسرائيل لتنفيذ «اتفاق الإطار»؟
الأدق ألا نتحدث عن «تحالف ضغط» موحد، لأن لكل طرف حساباته ومصالحه وأدواته.
إلا أن الوقائع تشير إلى تشكل شبكة من الأدوار المتقاطعة:
الولايات المتحدة تملك النفوذ الأكبر على المسار التفاوضي، وإيطاليا توفر منصة أوروبية للحوار ولديها حضور أمني وعسكري مباشر في لبنان، والفاتيكان يوفر ثقلًا دينيآ ومعنويًا ودبلوماسيًا، فيما يبقى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة جزءًا أساسيًا من البيئة الدولية المحيطة بالملف اللبناني.
وهذا التعدد في الأدوار قد يكون نقطة القوة الجديدة في الموقف اللبناني.
فلبنان لا يملك القدرة على فرض تنفيذ الاتفاق، ولا يستطيع الاعتماد على وسيط واحد قادر وحده على إنهاء الأزمة.
لذلك تكمن مصلحته في توسيع دائرة الدول والمؤسسات التي ترى في تنفيذ الاتفاق مصلحة في الاستقرار الإقليمي، وربط كل طرف بالدور الذي يستطيع القيام به.
فالولايات المتحدة تضغط في مسار التفاوض، وإيطاليا تستطيع تسهيل الحوار وتوفير منصة سياسية وأمنية له، والفاتيكان يستطيع تعزيز الغطاء المعنوي والدبلوماسي، فيما يستطيع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة توفير دعم سياسي ومؤسساتي للمسار، وتستطيع الدول العربية الصديقة للبنان المساهمة في مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار.
وفي هذه المعادلة، يحاول لبنان جمع هذه المسارات حول هدف واحد: تنفيذ «اتفاق الإطار»، تثبيت وقف إطلاق النار، وقف الاعتداءات، استكمال الانسحاب الإسرائيلي، معالجة الملفات الحدودية والأمنية، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما يفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة السكان النازحين إلى قراهم.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز أهمية زيارة عون إلى روما والفاتيكان نتائجها المباشرة.
فهي تعكس محاولة لبنانية واضحة لنقل ملف تنفيذ الاتفاق من إطار تفاوضي محدود إلى قضية دولية متعددة القنوات.
وكلما اتسعت دائرة الدول والمؤسسات التي تتعامل مع الاتفاق باعتباره التزامًا ينبغي احترامه وتنفيذه، ازدادت قدرة لبنان على تحويل أي تعطيل إلى قضية سياسية ودبلوماسية، لا مجرد خلاف ميداني.
لكن ينبغي عدم المبالغة في النتائج.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المواقف المؤيدة التي يحصل عليها لبنان، بل بمدى ترجمة هذه المواقف إلى وقائع.
فإذا بقيت الاعتداءات مستمرة، وتعطل الانسحاب، ولم تتقدم المفاوضات في الملفات الحدودية والأمنية وآليات تثبيت الاستقرار، فإن الزيارة ستبقى نجاحًا دبلوماسيًا مهمًا من دون أن تتحول إلى إنجاز سياسي كامل.
أما إذا نجحت روما في ترسيخ موقعها كمنصة مستمرة للمفاوضات والمتابعة، ونجح الفاتيكان في تحويل دعمه للبنان إلى موقف دبلوماسي ثابت، واستطاعت واشنطن الاستفادة من الدعم الأوروبي والفاتيكاني لتوسيع هامش الضغط السياسي، فعندها يمكن الحديث عن تحول نوعي في البيئة الدولية المحيطة بالملف اللبناني.
ولعل الأهم في زيارة عون أنها كشفت عن محاولة لبنانية لبناء معادلة جديدة لا تقوم على انتظار وسيط واحد أو دولة واحدة قادرة على فرض الحل، بل على تجميع مجموعة من عناصر الضغط السياسي والدبلوماسي والمعنوي حول «اتفاق الإطار».
وفي هذه المعادلة، تبدو روما مرشحة للقيام بدور متزايد، ليس لأنها تملك وحدها القدرة على إلزام إسرائيل، بل لأنها تستطيع الجمع بين موقعها الأوروبي، وعلاقتها بواشنطن، وحضورها العسكري في لبنان، وصلاتها المباشرة بالمسار التفاوضي، ودورها في دعم الجيش اللبناني وترسيخ الاستقرار في الجنوب.
أما الفاتيكان، فقد يكون دوره أقل صخبًا وأكثر هدوءًا، لكنه ليس أقل أهمية.
فالقوة التي يستطيع توفيرها للبنان ليست قوة ضغط مباشر، بل قوة معنوية ودبلوماسية تساعد على تثبيت الموقف اللبناني داخل الخطاب الدولي، وتمنح قضية لبنان بعدًا يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.
لذلك يمكن القول إن زيارة جوزاف عون إلى إيطاليا والفاتيكان نجحت حتى الآن في تحقيق هدف أساسي: توسيع دائرة الدعم للبنان وربط قضية تنفيذ «اتفاق الإطار» بشبكة أوسع من العلاقات الدولية.
لكنها لم تحسم بعد السؤال الأصعب: هل تستطيع هذه الشبكة تحويل الدعم السياسي إلى ضغط فعلي يؤدي إلى تنفيذ الاتفاق وانسحاب إسرائيل وتثبيت الأمن في الجنوب؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
فإذا تحولت روما إلى منصة تفاوض ومتابعة ذات دور مستدام، وأصبح الفاتيكان صوتًا دبلوماسيًا ثابتًا في دعم تنفيذ الاتفاق، واستطاعت واشنطن تنسيق هذا المسار مع أوروبا والأمم المتحدة، فقد يجد لبنان نفسه أمام شبكة دولية أكثر تماسكًا في التعامل مع ملف الجنوب.
وعندها فقط يمكن أن تتحول زيارة عون إلى أكثر من محطة ناجحة في السياسة الخارجية اللبنانية؛ فقد تصبح إحدى حلقات إعادة تموضع لبنان داخل المعادلة الدولية، ومحاولة لجعل تنفيذ «اتفاق الإطار» مسارًا دوليًا متكاملًا، بحيث يصبح تعطيله أكثر كلفة سياسيًا ودبلوماسيًا على أي طرف.
وفي المحصلة، ليست المسألة ما إذا كانت إيطاليا قد أصبحت «رافعة» للبنان بالفعل، بل ما إذا كان لبنان قادرًا على تحويل الدور الإيطالي والفاتيكاني والأميركي والأوروبي المتقاطع إلى استراتيجية دبلوماسية متكاملة.
فالقوة لا تكمن في تعدد الداعمين وحده، بل في القدرة على جمع أدوارهم حول هدف واضح: تثبيت سيادة الدولة اللبنانية، إنهاء الاحتلال، وحماية الجنوب من العودة إلى دورة جديدة من الحرب.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.