مولد خير خلق الله

3

الدكتور أسامه محيو

المولد النبوي الشريف.. ذكرى تُحيي القلوب وتُجدد العهد.

ليست ذكرى المولد النبوي الشريف مجرد تاريخ يُحفظ في التقويم، ولا مناسبة عابرة تمر بها الأمة، بل هي لحظة ميلاد للنور الذي أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى رحابة الهداية، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الإيمان.

في الثاني عشر من ربيع الأنور، في عام الفيل، ولد يتيماً فقيراً، لكنه حمل في قلبه غنى العالم كله. ولد محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فاهتزت قصور كسرى، وانطفأت نار فارس، وجاء من يقول للناس: “إنما أنا رحمة مهداة”.

إنها ليست ذكرى لميلاد رجل فحسب، بل هي ذكرى ميلاد أمة، وميلاد معنى جديد للإنسانية.

نحن لا نحتفل بشخص غاب، بل نحتفل بمنهج باقٍ. نحتفل لأننا في زمن كثرت فيه الأصوات وتعددت القدوات، فاحتجنا أن نعود إلى القدوة الأولى. إن الاحتفال الحقيقي بالمولد ليس بالأناشيد وحدها، ولا بتوزيع الحلوى وإن كانت مظاهر محبة جميلة، بل هو احتفال باتباع سنته

أن نرى صدقه في تجارتنا، وأمانته في وظائفنا، ورحمته في بيوتنا، وعفوه عند مقدرتنا. أن نكون كما وصفه القرآن: “وإنك لعلى خلق عظيم”. نحتفل به لأننا نحب أن نتذكر من نحن، ولأن القلوب إذا قست لا يلينها إلا ذكر الحبيب.

النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يحتفل بمولده احتفالاً جماعياً كما نفعل اليوم، وإنما كان يصوم يوم الاثنين ويقول: “ذاك يوم ولدت فيه”، فكان احتفاله عبادة شكر لله.

أما الاحتفال الجماعي المنظم،

فيذكر المؤرخون أن الدولة الفاطمية في مصر في القرن الرابع الهجري هي أول من أظهرت الاحتفال بالموالد الستة، ومنها المولد النبوي. وكان احتفالهم عبارة عن مواكب رسمية تخرج من قصر الخليفة إلى الجامع الأزهر، تُحمل فيها صواني الحلوى وتوزع الصدقات، وتُلقى الخطب. ثم أُبطل هذا الاحتفال سنة 488 هـ في عهد الأفضل بن أمير الجيوش، ثم عاد بعد ذلك.

أجمع المحققون كالحافظ ابن كثير وابن خلكان والسيوطي أن أول من احتفل بالمولد احتفالاً كبيراً منظماً من أهل السنة هو الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، صاحب إربل في شمال العراق، في أوائل القرن السابع الهجري (المتوفى سنة 630 هـ).

وكان ملكاً عادلاً عالماً شجاعاً، وصفه الذهبي بقوله: “كان متواضعاً خيراً سنياً يحب الفقهاء والمحدثين”. وقال عنه ابن كثير: “كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان يمد سماطاً فيه خمسة آلاف رأس مشوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف زبدية”.

وقد جمع لهذا الاحتفال كبار العلماء، وصنف له الحافظ ابن دحية كتاباً خاصاً سماه “التنوير في مولد البشير النذير” فأجازه الملك بألف دينار. ومن العراق انتشرت هذه العادة الحسنة إلى الشام ومصر والمغرب، حتى أصبحت من مواسم الفرح في الأمة.

وهنا سر العظمة الذي يجب أن لا ننساه ونحن نحتفل. لو تأملنا مواقفه لوجدنا أن قلبه لم يكن لنفسه أبداً.

في ليلة الإسراء والمعراج، وهي أشرف ليلة في حياته، عرج به إلى سدرة المنتهى، إلى مكان لم يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وكلمه ربه كفاحاً، وفرضت عليه الصلوات خمسين صلاة.

فلما نزل، لقيه موسى عليه السلام فقال: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك.

تأملوا.. هو في حضرة الله، في أعلى مقام، ولم يفكر في زوجته خديجة، ولا في ابنته فاطمة أحب الناس إليه، ولا في نفسه، بل كان كل همه: “أمتي.. أمتي.. أمتي لا تطيق”. فما زال يصعد وينزل بين موسى وربه، يسأل ربه التخفيف شفقة علينا، حتى جعلها الله خمس صلوات في الفعل وخمسين في الأجر.

وفي موقف آخر يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي تلا قول الله على لسان إبراهيم: “رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني” وقول عيسى: “إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم” ثم رفع يديه وبكى وقال: “اللهم أمتي.. أمتي” فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد وقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.

بل إنه ادخر دعوته المستجابة كلها لأجلنا. قال صلى الله عليه وسلم: “لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة” رواه مسلم.

أي حب هذا؟ رجل يبكي شوقاً لأحفاد لم يرهم، ويقول “وددت أنا قد رأينا إخواننا”.

إن من يزعم حب النبي ولا يتبع هديه كمن يزعم حب الماء ولا يشربه. إحياء المولد في هذا العصر يكون بثلاثة أمور:

في صدقه وأمانته، في تبسمه في وجه أخيه، في إماطة الأذى عن الطريق، في قيام الليل ولو بركعتين.

أن نخصص وقتاً لأطفالنا نحكي لهم كيف كان يلعب مع الحسن والحسين، وكيف كان يسابق عائشة رضي الله عنها، وكيف كان يخدم أهله في بيته، فيكون قدوة حية لا قصة في كتاب.

فالعالم اليوم متعب ومشتت، ويحتاج أن يسمع أن هذا الدين جاء ليحفظ النفس والعقل والكرامة، وجاء ليقول “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.

المولد النبوي ليس يوماً نطفئ فيه الشموع، بل يوم نشعل فيه القلوب. ليس ذكرى نبكي فيها على ماضٍ مجيد، بل عهد نجدده لنكون على خطاه.

يا مولد المصطفى، جئت والناس حيارى فكنت لهم الدليل، وجئت والقلوب قاسية فكنت لها الغيث.

صلوا على من بكى شوقاً لرؤيتنا ولم يرنا.

صلوا على من قال “أمتي.. أمتي” في لحظة كان الجميع يقول “نفسي.. نفسي”.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، واجعلنا ممن يحيي سنته، وينال شفاعته، ويشرب من حوضه.

الدكتور أسامه محيو

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.