إذ يهزم الزّمان… حكومة صاحب الزّمان
بقلم نديم قطيش
«أساس ميديا»
تستحقّ كلمة واحدة في تصريح الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان الأخير اهتماماً أكبر من كلّ مفردات “القوّة” و”الكرامة” و”النصر” التي أحاط بها كلامه. الكلمة هي: اليوم.
قال بزشكيان في 21 آب: “من الأفضل أن ننهي الحرب اليوم، ونحن في موقع قوّة وكرامة، والعالم كلّه يعترف بنصرنا”. في الخطاب نفسه دافع عن التفاهم السابق مع واشنطن، وهاجم منتقديه في الداخل لأنّهم، كما قال، “يجلسون خارج الدائرة” ولا يعرفون الظروف التي تعمل فيها الحكومة والبرلمان والقادة العسكريّون ولا يتحمّلون ما تتحمّله البلاد من مشقّة. يؤكّد النصّ الإيرانيّ الرسميّ العبارتين معاً: ادّعاء القوّة، والإلحاح على إنهاء الحرب.
تستطيع الانتظار الدول الواثقة بأنّ عنصر الزمن يتحرّك لمصلحتها. ترفع سعر المواجهة. توسّع مطالبها. تستعجل حاجة خصمها إلى التسوية. أمّا أن يغدو وقف الحرب اليوم أقل كلفةً من وقفها غداً، فمعناه أنّ الزمن نفسه بدأ يعمل ضدّ إيران.
يشبه خطاب الرئيس الايرانيّ سلوك البنوك في بلاده، التي تسعى على نحو يائس إلى تثبيت قيمة عملة منهارة قبل أن تنخفض أكثر. ما تزال طهران تملك ما يؤذي. النظام صمد، وآلته العسكريّة لم تفقد قدرتها على إيلام الخصوم، وتعطيل هرمز حمّل الاقتصاد العالميّ والولايات المتّحدة وحلفاءها كلفة فعليّة.
شرط لفهم الهزيمة
ليس هذا تلطيف للهزيمة الإيرانيّة، بل شرطٌ لفهمها. قد يظلّ الطرف الخاسر بالغ القدرة على الإيذاء، لكنّ السؤال: هل يستطيع أن يجعل الأذيّة مكسباً سياسيّاً يدوم؟
هنا أحد أكثر التعبيرات بلاغةً عن مأزق إيران. فمضيق هرمز، الذي كان يُفترض أن يكون امتيازاً تمنحه الجغرافيا لطهران على خصومها، أخذ، مع الإفراط في توظيفه، ينقلب امتيازاً لخصومها عليها. لكي تُضيّق إيران على العالم، عليها أن تُضيّق على نفسها أوّلاً، في مفارقة تكاد تستعير منطق العمليّات الانتحاريّة.
وفق بيانات تتبع نقلتها “رويترز”، هبطت شحنات الخام الإيراني إلى الصين خلال آب نحو 534 ألف برميل يوميّاً، مقارنة بمتوسّط يقارب 1.4 مليون برميل يوميّاً في 2025، فيما توقّفت الصادرات عبر هرمز وتراجعت الكميّات الإيرانيّة المتاحة للمشترين الصينيّين بصورة حادّة. صندوق النقد الدوليّ يتوقّع انكماش الاقتصاد الإيرانيّ 5.4% خلال 2026، مع تضخّم سنويّ متوسّط يقارب 68.9%. وفي تمّوز وصل التضخّم الفعليّ إلى نحو 66%، بينما ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 128%. بإزاء هذه المعطيات، لا يبقى الاقتصاد خلفيّة للحرب، بل يصبح أحد ميادينها الحاسمة التي تطال حسابات بقاء النظام نفسه.
صاغ رئيس البرلمان الإيرانيّ والوجه التفاوضيّ الأبرز، محمّد باقر قاليباف، هذه الحقيقة بوضوح يغني عن كثير من التحليل: لا تكفي القوّة العسكريّة، مهما بلغت، إذا جاع الناس، وتعطّلت الدورة الماليّة، وغاب النموّ والإنتاج.
هنا يمكن فهم العبارة التي تبدو، في ظاهرها، متناقضة: “لننهِ الحرب اليوم لأنّنا منتصرون”. فإعلان النصر ليس مجرّد وصف للواقع، بقدر ما هو تمهيد سياسيّ للخروج منه. إنّه اللغة التي تتيح للنظام أن يتراجع عن الحافة من دون أن يسمّيه تراجعاً. يحتاج الداخل الإيرانيّ إلى رواية تجعل التسوية امتداداً للصمود، لا اعترافاً بكلفته. ويحتاج الحرس الثوريّ إلى صيغة تحميه من أن تتحوّل لحظة وقف النار إلى محاكمة له.يدرك النظام أنّه لا يملك الشرعيّة الثوريّة والتاريخيّة التي قيّضت للخمينيّ عام 1988 أن يعترف بالهزيمة في حربه مع العراق، ولو مواربة. قال إنّ قبوله القرار الأمميّ 598 لوقف الحرب يشبه تجرّع “كأس السمّ”، ثمّ مضى النظام وراءه.
أمّا اليوم فتدخل الجمهوريّة الإسلاميّة محنتها من دون خمينيّ يستطيع أن يهزم الهزيمة بتوقيعه عليها، وأن يقول، بسلطة المؤسّس: خسرنا هذه الجولة، أو اضطررنا إلى التراجع، وهذه هي مصلحة الثورة. والحال، فإنّ إعلان النصر يصبح شرطاً للخروج، لا مجرّد زينة دعائيّة اعتادها الثوريّون الإيرانيّون.
لعلّ من سوء حظّ إيران، وحسن حظّ العالم، أنّ دونالد ترامب يفتقر، بطبيعته السياسيّة وبطريقة بنائه لأسطورته، إلى الاستعداد لمنح خصمه الرواية التي يحتاج إليها كي ينسحب مرفوع الرأس. فترامب يحتاج هو الآخر إلى صورة الانتصار، بقدر حاجة النظام الإيرانيّ إليها وربّما أكثر، وإلى صيغة يستطيع تقديمها للأميركيّين بوصفها خضوعاً إيرانيّاً لشروطه.
الحرب في قلب إيران
من هنا تكتسب كلمة “اليوم” في تصريح بزشكيان معناها الكامل. فالدولة التي أمضت أربعة عقود تبني الردع كي تُبقي الحرب خارج حدودها، وجدت الحرب في قلبها. والتي أمسكت بالاقتصاد العالميّ من عنقه عبر هرمز، وجدت اقتصادها مشدوداً إلى العنق نفسه. والتي راهنت طويلاً على الزمن بوصفه حليفاً في استنزاف خصومها، صار رئيسها يخشى ما قد يحمله الغد، ويطلب إنهاء الحرب اليوم.
هنا، ربّما، التعريف الأدقّ للهزيمة الإيرانيّة في هذه الحرب: حين يصبح اليوم أفضل ما تستطيع إيران الحصول عليه، يكون ميزان الحرب قد حُسم خارج ساحة القتال.
دولة “صاحب الزمان” اكتشفت متأخّرة أنّ الزمان لا يُمتلك بالانتساب الغيبيّ إليه، بل بالقدرة على إخضاع حركة الوقت لمصلحتك، وأن يكون الغد إضافةً إلى قوّتك، لا خصماً منها.
نديم قطيش
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.