حديث الجمعة _ خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
المهندس بسام برغوت
يحتاج التعامل مع البشر إلى مهارة لا تُدرَّس في المدارس، ولا تُقاس بالشهادات. فالناس مختلفون في طباعهم وأفكارهم ومشاعرهم وطرق تعبيرهم، وقد نلتقي بمن يقدّرنا ويحسن إلينا، كما قد نلتقي بمن يسيء فهمنا أو يتعامل معنا بطريقة لا تليق. ومن هنا جاء القرآن الكريم ليضع لنا منهجًا متوازنًا في التعامل مع الآخرين، في ثلاث عبارات عظيمة جمعت كثيرًا من الحكمة: “خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” (سورة الأعراف). آية تحمل منهجًا كاملًا في بناء العلاقات الانسانية.
أولًا: خُذِ العَفْوَ
العفو لا يعني أن الإنسان ضعيف، ولا يعني أن يسمح للآخرين بإهانته أو استغلاله، وإنما يعني أن يكون قادرًا على تجاوز الأمور التي يمكن تجاوزها، وأن يعرف متى يتغاضى ومتى يتكلم. فهناك أخطاء صغيرة لا تستحق أن نخسر بسببها إنسانًا نحبه، وهناك كلمات قيلت في لحظة غضب ثم ندم صاحبها عليها، وهناك مواقف يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة بدل أن تتحول إلى سنوات من الجفاء.
إن الإنسان الذي يتوقف عند كل كلمة يسمعها، وكل موقف لا يعجبه، وكل خطأ يرتكبه الآخرون بحقه، سيعيش متعبًا؛ لأن البشر ليسوا ملائكة، وكل واحد منا يخطئ ويقصّر، فيحمل في قلبه الغضب والعتب والحقد، ويعاقب نفسه قبل أن يعاقب غيره. أما حين يتعلم أن يسامح ويتجاوز، فإنه يحرر قلبه من حمل ثقيل. قال الله تعالى: “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ” (سورة النور).
ثانيًا: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
الأمر بالمعروف يبدأ بالكلمة الطيبة، وبالنصيحة التي يكون هدفها الإصلاح وليس الإدانة. فالإنسان قد يقبل منك النصيحة إذا شعر أنك تريد له الخير، لكنه قد يرفضها إذا شعر أنك تحاول التقليل منه أو إحراجه أمام الآخرين، والإنسان الحكيم لا يحوّل النصيحة إلى معركة. وقد تكون كلمة لطيفة في الوقت المناسب أكثر تأثيرًا من محاضرة طويلة.
ولهذا ينبغي أن تكون النصيحة بلطف وحكمة، وأن نختار الوقت المناسب والأسلوب المناسب. قال تعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” (سورة النحل).
ومن أجمل صور الأمر بالمعروف أن نكون نحن أول من يطبّق ما ندعو إليه. فمن الصعب أن تطلب من الناس الصدق وأنت تكذب، أو تطلب منهم الاحترام وأنت تسيء إليهم، أو تطلب منهم الرحمة وأنت قاسٍ عليهم. فالسلوك أحيانًا يكون أبلغ من آلاف الكلمات.
ثالثًا: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
وهذه من أعظم قواعد التعامل مع البشر؛ لأننا لن نستطيع أن نمنع كل شخص من الإساءة، ولن نستطيع أن نجعل الجميع يفهموننا أو يتفقون معنا.
ليس كل كلام يحتاج إلى جواب، وليس كل استفزاز يحتاج إلى رد، وليس كل شخص يستحق أن نشرح له أنفسنا. أحيانًا يكون الصمت حكمة، والابتعاد راحة، وعدم الرد انتصارًا على الغضب.
قال الله تعالى: “وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا” (سورة الفرقان). وهذا لا يعني أن الإنسان يقبل الظلم أو يتنازل عن حقوقه، بل يعني أنه لا يسمح للآخر بأن يسحبه إلى أسلوب لا يليق به.
إن بعض الناس يبحثون عن رد فعل منك، وكلما غضبت زادوا في الكلام، وكلما دخلت معهم في جدال استمر الخلاف. أما عندما تختار الهدوء والابتعاد، فأنت تحمي نفسك وتحافظ على كرامتك وراحة قلبك.
وفي حياتنا اليومية نحتاج إلى هذه القاعدة في البيت، وفي العمل، ومع الأصدقاء والأقارب والجيران.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان أن ليس كل خلاف يحتاج إلى حل فوري، وليس كل شخص يجب أن يقتنع برأينا. أحيانًا تكون الحكمة في أن نقول ما يجب قوله، ثم نترك للوقت أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله.
من أصعب الأمور أن يتحكم الإنسان في نفسه عندما يكون غاضبًا، لكن القوة الحقيقية تظهر في هذه اللحظات. قال الله تعالى: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (سورة آل عمران).
وهذه ليست هزيمة، بل قوة ونضج. لأن الإنسان عندما يعرف قيمة راحته، لا يسمح لكل موقف عابر أن يسرق منه يومه، ولا يسمح لكل كلمة أن تغيّر مزاجه، ولا يجعل تصرفات الآخرين تتحكم في قلبه.
ختاماً،
في ثلاث عبارات قرآنية قصيرة، نجد مدرسة عظيمة في التعامل مع البشر: “خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” (سورة الأعراف). خذ من الناس الجميل، وتجاوز عن زلاتهم، وانصحهم بالخير، ولا تجعل نفسك أسيرًا للجدال مع من لا يريد إلا الخصام.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل أخطاء الآخرين، وأجمل من أن نملأها بالغضب والعتب. وليس معنى حسن التعامل أن نرضي الجميع، بل أن نحافظ على أخلاقنا مهما اختلفت أخلاق من حولنا.
اجعل العفو طريقك عندما يكون العفو خيرًا، واجعل الكلمة الطيبة أسلوبك في النصح، واجعل الإعراض عن الجاهلين وسيلة لحماية قلبك من الخصام. وعندما يصبح هذا المنهج جزءًا من حياتك، ستكتشف أن كثيرًا من المشكلات التي كانت تستنزفك لم تعد تستحق منك كل ذلك الغضب.
فالقرآن لا يعلمنا فقط كيف نعبد الله، بل يعلمنا أيضًا كيف نعيش بقلوب أكثر صفاءً، ونفوس أكثر هدوءًا، وعلاقات أكثر رحمة وحكمة.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.