حديث الجمعة_”إدراك النعمة … نعمة”

6

المهندس بسام برغوت

يعيش الناس بنعم الله التي لا تُحصى، ولكنهم لا يشعرون بقيمتها إلا بعد زوالها أو نقصانها، ولذلك فإن إدراك النعمة في حد ذاته نعمة عظيمة تستوجب الشكر، لأن الإنسان إذا عرف قدر ما أنعم الله عليه عاش مطمئن القلب، راضي النفس، بعيدًا عن الحسد والتذمر. أما من غفل عن نعم الله فإنه يبقى منشغلًا بما ينقصه، فيفقد لذة الحياة ولو ملك الكثير. ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه دعاهم إلى التأمل في نعمه، وذكّرهم بها في الآيات القرآنية الكريمة حتى تستيقظ القلوب، ويزداد الإيمان، ويعظم الشكر.

إن إدراك النعمة ليس مجرد معرفة عقلية، بل هو شعور عميق ينعكس على السلوك والعبادة والأخلاق، ويجعل الإنسان أكثر قربًا من الله وأكثر رحمة بالناس وأكثر قناعة بما قسمه الله له.

معنى إدراك النعمة

هو أن يستشعر الإنسان ما أنعم الله به عليه، سواء كانت نعمًا ظاهرة كالصحة والرزق والأهل، أو نعمًا باطنة كالإيمان والأمن وراحة القلب. فالنعمة قد تكون بين يدي الإنسان كل يوم، لكنه يعتاد وجودها حتى يظن أنها أمر طبيعي، فيغفل عن شكر المنعم سبحانه.

ومن أدرك نعم الله علم أن كل ما يملكه هو فضل من الله، وليس نتيجة قوته أو ذكائه فقط، فيزداد تواضعًا، ويبتعد عن الكبر والعجب، ويعترف بفضل الله عليه في كل شأن من شؤون حياته.

نعم الله لا تُحصى

لقد أخبرنا الله سبحانه أن نعمه لا يمكن للإنسان أن يعدها أو يحصيها مهما حاول، فقال في سورة إبراهيم: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا”.

فالإنسان يتنفس في كل لحظة دون أن يشعر بعظمة هذه النعمة، ويرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتحرك بجسده، ويعيش بين أهله وأحبته، وكل ذلك من نعم الله التي لو فقد واحدة منها لتمنى أن يبذل الدنيا كلها ليستعيدها.

إن كثرة النعم قد تكون سببًا في غفلة الإنسان عنها، لذلك كان التأمل فيها عبادة تقود إلى معرفة الله وتعظيمه.

نعمة الإيمان أعظم النعم

من أعظم ما يرزقه الله لعبده نعمة الإيمان، فهي النعمة التي تهدي الإنسان إلى طريق الحق، وتمنحه الطمأنينة في الدنيا، والفوز في الآخرة. فكم من إنسان يملك المال والصحة والجاه، ولكنه محروم من راحة القلب بسبب بعده عن الله.

أما المؤمن فإنه يجد في الصلاة راحة، وفي القرآن سكينة، وفي الدعاء أنسًا، ولذلك كانت نعمة الهداية فوق كل نعمة دنيوية، لأنها سبب السعادة الحقيقية.

الصحة نعمة لا يشعر بها إلا من فقدها

الصحة من أعظم نعم الله، ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس لا يلتفتون إليها إلا عند المرض. فإذا أصيب الإنسان بمرض بسيط أدرك قيمة الأيام التي كان يعيشها معافى.

وقد أرشد النبي إلى قيمة هذه النعمة عندما قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.”

وهذا الحديث يبين أن كثيرًا من الناس لا يستفيدون من نعمة الصحة إلا بعد ضياعها، ولذلك ينبغي المحافظة عليها واستعمالها في طاعة الله والعمل النافع.

آثار إدراك النعمة

إدراك النعمة يثمر آثارًا عظيمة في حياة المسلم، منها:

– زيادة الإيمان بالله.

– دوام شكر الله تعالى.

– الشعور بالطمأنينة والسكينة.

– الابتعاد عن الحسد والاعتراض على القدر.

– حسن الظن بالله.

– التفاؤل والأمل.

– محبة الخير للناس.

– استغلال النعم فيما ينفع.

فكلما ازداد الإنسان إدراكًا للنعم ازداد قربًا من الله، وازداد رضًا وسعادة.

أسباب الغفلة عن النعم

هناك أسباب كثيرة تجعل الإنسان يغفل عن نعم الله، ومن أهمها كثرة الاعتياد عليها، والانشغال بالدنيا، والمقارنة المستمرة بالآخرين، والإفراط في متابعة مظاهر الترف، وضعف الإيمان، وقلة التأمل في نعم الله.

ولهذا ينبغي للمسلم أن يخصص وقتًا يتفكر فيه فيما أنعم الله عليه، حتى لا يقع في الغفلة والجحود.

المجتمع الذي يدرك نعمة الله

إذا أدرك أفراد المجتمع نعم الله عليهم، انتشرت بينهم الأخلاق الحسنة، والتعاون، والرحمة، والتكافل، لأنهم يعلمون أن النعم أمانة يجب أن تُستعمل في الخير.

أما إذا غفل الناس عن نعم الله، كثرت الشكوى، وانتشر الحسد، وضعفت الروابط الاجتماعية، وأصبح كل إنسان ينظر إلى ما ينقصه أكثر مما ينظر إلى ما يملكه.

ولهذا فإن شكر النعم لا يعود بالنفع على الفرد فقط، بل ينعكس أثره على المجتمع كله.

ختاماً ،

إن إدراك النعمة نعمة عظيمة لا يوفق إليها إلا من أنار الله قلبه بالإيمان، وجعل فيه بصيرة تتأمل فضل الله في كل لحظة. فالسعيد ليس من يملك أكثر من غيره، وإنما من يعرف قيمة ما يملكه ويشكر الله عليه. وكلما ازداد العبد شكرًا لله، زاده الله من فضله، وبارك له في عمره ورزقه وأهله وعمله.

فلنجعل الحمد لله شعارًا دائمًا في حياتنا، ولنستعمل نعم الله فيما يرضيه، ولنتذكر دائمًا أن أعظم النعم هي الهداية والإيمان، وأن دوام النعمة مرتبط بشكر المنعم سبحانه. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الشاكرين، وأن يرزقنا حسن إدراك نعمه، وأن يديم علينا نعمة الإسلام والإيمان والعافية، إنه سميع مجيب.

المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.