رئيس الجمهورية بين المسؤولية الدستورية والحصانة
بقلم د. ابراهيم العرب
تُعدّ مسألة مسؤولية رئيس الدولة من أكثر المسائل حساسية في القانون الدستوري، لأنها تقع عند نقطة التماس بين مبدأين متلازمين قد يبدوان، للوهلة الأولى، متعارضين: مبدأ خضوع جميع السلطات للقانون من جهة، وضرورة حماية رأس الدولة من أن تتحول الملاحقة القضائية إلى وسيلة لتعطيل انتظام المؤسسات الدستورية من جهة أخرى. ومن هنا، لم تكن الحصانة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في الأنظمة الدستورية الحديثة امتيازاً شخصياً مقرراً له، بل ضمانة مرتبطة بالوظيفة التي يشغلها وباستقرار النظام الدستوري نفسه.
وفي لبنان، أخذ المشرّع الدستوري بهذا التوازن بصورة واضحة في المادة 60 من الدستور، التي رسمت نظاماً خاصاً لمسؤولية رئيس الجمهورية. فقد نصت على أنه «لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى»، ثم أضافت أن التبعة المتعلقة بالجرائم العادية «خاضعة للقوانين العامة»، مع اشتراط أن يكون اتهام رئيس الجمهورية، في هذه الحالات جميعها، صادراً عن مجلس النواب بأغلبية ثلثي مجموع أعضائه، وأن تتم محاكمته أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80.
ويكشف هذا النص عن تمييز دستوري بالغ الأهمية بين المسؤولية الناشئة عن ممارسة الوظيفة الدستورية وبين المسؤولية الجزائية عن الجرائم العادية. ففي الحالة الأولى، لا يسأل رئيس الجمهورية عن أعماله الرئاسية لمجرد أنها أثارت اعتراضاً سياسياً أو خلافاً في التقدير، وإنما تقوم مسؤوليته الدستورية في الحدود التي رسمها الدستور، أي عند خرقه الدستور أو ارتكابه الخيانة العظمى. أما في الجرائم العادية، فقد اختار الدستور إخضاع المسؤولية للقوانين العامة، ولكنه لم يترك رئيس الجمهورية، في المقابل، للملاحقة الجزائية وفق الآليات العادية ذاتها التي تطبق على سائر الأشخاص، بل أحاط هذه المسؤولية بإجراءات دستورية خاصة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المسؤولية والحصانة الإجرائية. فالحصانة لا تعني انعدام المسؤولية، ولا تعني أن رئيس الجمهورية فوق القانون، وإنما تعني أن الدستور وضع طريقاً خاصاً لمساءلته، بالنظر إلى طبيعة مركزه الدستوري. ولذلك لا يجوز تفسير المادة 60 على أنها تمنح رئيس الجمهورية إعفاءً دائماً من المسؤولية الجزائية، كما لا يجوز تفسيرها في الاتجاه المعاكس، أي باعتبار أن عبارة «خاضعة للقوانين العامة» تزيل عنه الضمانة الإجرائية التي كرستها المادة نفسها.
إن الدستور اللبناني، في الواقع، أقام توازناً دقيقاً بين الأمرين: خضوع الفعل للقانون من حيث التجريم والعقاب، وخضوع الملاحقة لإجراءات دستورية خاصة من حيث الاتهام والمحاكمة.
وهذا التمييز تكتسبه قضية انفجار مرفأ بيروت أهمية خاصة. فالسؤال الدستوري لا ينبغي أن يبدأ من موقف مسبق، مؤيداً كان أم معارضاً لملاحقة رئيس الجمهورية، وإنما من سؤال أكثر تجرداً: ما هي الجهة الدستورية المختصة، وما هي الآلية التي رسمها الدستور لمساءلة رئيس الدولة؟
إن مجرد ورود اسم رئيس الجمهورية في ملف جزائي، أو وجود شبهات حول قرارات أو مواقف اتخذت خلال فترة توليه الرئاسة، لا يكفي وحده لحسم المسألة. فالمعيار الدستوري لا يقوم على الانطباع السياسي، بل على تحديد طبيعة الفعل المنسوب إليه، ومدى اتصاله بالوظيفة الرئاسية، والنص الدستوري الذي يحكم المسؤولية الناشئة عنه، ثم تحديد الجهة التي منحها الدستور صلاحية الاتهام والمحاكمة.
ومن هنا، فإن المادة 60 لا ينبغي قراءتها بمعزل عن المادة 61، التي تقرر أن رئيس الجمهورية يكف عن العمل عندما يُتهم، وتبقى سدة الرئاسة خالية إلى أن يفصل المجلس الأعلى في القضية. وهذه النتيجة تكشف بوضوح أن الاتهام الدستوري ليس إجراءً شكلياً، وإنما هو حدث دستوري بالغ الخطورة تترتب عليه آثار مباشرة على ممارسة رئيس الجمهورية لمهامه.
أما المجلس الأعلى، الذي أسند إليه الدستور محاكمة الرؤساء والوزراء، فلا يصح اختزاله في كونه محكمة عادية، ولا في كونه هيئة سياسية محضة. فالمادة 80 أنشأته بوصفه هيئة دستورية ذات اختصاص قضائي خاص، تتألف من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة، وتجتمع تحت رئاسة أعلى هؤلاء القضاة رتبة، ولا تصدر قرارات التجريم إلا بغالبية عشرة أصوات.
ويكتسب هذا التركيب دلالته من محاولة المشرّع الدستوري تحقيق نوع من التوازن بين البعد السياسي للمساءلة الدستورية والبعد القضائي للمحاكمة. فمجلس النواب، بوصفه ممثلاً للإرادة الشعبية، يملك سلطة الاتهام، في حين أن الفصل في المسؤولية أمام المجلس الأعلى يجري في إطار هيئة يغلب فيها العنصر القضائي، إذ يضم ثمانية قضاة مقابل سبعة نواب.
وليس هذا التنظيم غريباً عن التجربة الدستورية المقارنة، وخصوصاً التجربة الفرنسية، التي عرفت تاريخياً نماذج متعددة لحماية الوظيفة الرئاسية وتنظيم مسؤولية رئيس الجمهورية. وقد دار في الفقه الفرنسي نقاش طويل حول مدى المسؤولية الجزائية لرئيس الدولة، وحول الحد الفاصل بين حماية الشخص وحماية الوظيفة. وكان الفقيه الفرنسي Guy Carcassonne من أبرز من شددوا على أن الغاية من الحصانة ليست منح الرئيس امتيازاً شخصياً، بل حماية الوظيفة الرئاسية من أن تصبح عرضة للملاحقات التي قد تعطل ممارستها.
وهذه الفكرة تصلح أساساً لفهم الفلسفة الكامنة وراء النص اللبناني، مع ضرورة الحذر من إسقاط الاجتهاد الفرنسي على النظام اللبناني إسقاطاً آلياً، لأن لكل دستور بنيته الخاصة ونصوصه التي تحدد نطاق المسؤولية والحصانة. بل إن المقارنة الصحيحة لا تكون في استيراد الحلول، وإنما في الاستفادة من الفكرة الدستورية المشتركة: حماية الوظيفة لا تعني تحصين الشخص من القانون.
وفي هذا السياق، يصبح اشتراط أغلبية الثلثين من مجموع أعضاء مجلس النواب للاتهام ضمانة دستورية ذات أهمية استثنائية. فهذه الأغلبية المرتفعة تحول دون استخدام الاتهام كأداة سياسية عابرة، وتفرض توافقاً نيابياً واسعاً قبل الانتقال إلى المرحلة القضائية. وليس المقصود من ذلك جعل رئيس الجمهورية فوق المساءلة، وإنما منع تحويل المسؤولية الدستورية إلى وسيلة للضغط السياسي أو إلى نتيجة تلقائية لكل خلاف بين السلطات.
ومن ناحية أخرى، فإن اشتراط غالبية عشرة أصوات لصدور قرار التجريم أمام المجلس الأعلى يعكس بدوره إرادة دستورية واضحة في جعل الإدانة نتيجة لمسار مؤسساتي شديد الصرامة.
ولعل أهم ما ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال أن الحصانة الدستورية لا تعني الإفلات من العقاب. فالدولة التي تحترم دستورها لا تستطيع أن تقيم حصانة مطلقة لأي مسؤول، كما لا تستطيع، في المقابل، أن تسمح بملاحقته خارج الآليات التي حددها الدستور. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: المساس بدولة القانون.
إن قوة النظام الدستوري لا تقاس فقط بقدرته على محاسبة المسؤول، بل أيضاً بقدرته على محاسبته بالطريقة التي رسمها الدستور. ولذلك فإن احترام الضمانات المقررة لرئيس الجمهورية لا ينبغي أن يُفهم على أنه دفاع عن شخص الرئيس، تماماً كما أن المطالبة بمساءلته لا ينبغي أن تتحول إلى تجاوز للنصوص الدستورية التي تحكم هذه المساءلة.
في الختام، إن رئيس الجمهورية، في النظام الدستوري اللبناني، ليس مواطناً فوق القانون، وليس في الوقت نفسه موظفاً عادياً يمكن إخضاعه لآليات الملاحقة ذاتها التي يخضع لها أي فرد آخر. إنه صاحب مركز دستوري خاص، وما يرافق هذا المركز من ضمانات لا يستهدف حماية الشخص بقدر ما يستهدف حماية رئاسة الدولة واستمرارية المؤسسات وانتظام الحياة الدستورية.
ومن هنا، فإن النقاش حول مسؤولية رئيس الجمهورية، ولا سيما في الملفات الوطنية الكبرى كقضية انفجار مرفأ بيروت، ينبغي أن يتحرر من الاصطفاف السياسي وأن يعود إلى قواعد القانون الدستوري. فالمسألة ليست في أن يكون الرئيس فوق المساءلة، ولا في أن يكون خاضعاً لها بلا حدود، وإنما في أن تتم المساءلة وفق الدستور، وأن تُحترم في الوقت نفسه حقوق الضحايا وحق المجتمع في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤول، أياً كان موقعه.
فالعدالة الحقيقية لا تكون بتعطيل الدستور، كما لا تكون بتحويل الدستور إلى حصن يمنع العدالة. وإنما تكون في التوفيق بين الأمرين: دولة تحمي مؤسساتها، وقانون لا يستثني أحداً، ودستور يحدد الطريق الذي ينبغي أن تسلكه المساءلة عندما يتعلق الأمر برأس الدولة.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.