لا تلعنوا الضريبة… العنوا من أوصلكم إليها
بقلم عامر منير البحصلي
استفزّ قرار وزير المالية بفرض ضريبة على المسافرين معظم اللبنانيين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والمتوسط. وهذا الاستياء مشروع، فالمواطن لم يعد يحتمل ضريبة جديدة بعد سنوات من الانهيار والفقر، وبعد أن فقد مدخراته وأصبح يكافح لتأمين أبسط مقومات العيش.
لكن قبل أن نسارع إلى تعليق المشانق لوزير المالية، علينا أن نمتلك الشجاعة لننظر في المرآة.
أنا لا أدافع عن الوزير، ولا أعرفه شخصيًا، لكنني أدافع عن الحقيقة. والحقيقة أن خزينة الدولة مفلسة، ليس بسبب هذه الضريبة، بل لأنها تعرضت طوال نصف قرن لأكبر عملية نهب منظم عرفها لبنان.
والحقيقة الأكثر إيلامًا أن المسؤولية لا تقع على السياسيين وحدهم، بل يتحمل قسم كبير من اللبنانيين نصيبًا منها. نعم، هذه حقيقة مُرّة. فقد عرف الناس من سرق، ومن هدر، ومن هرّب، ومن استباح المال العام، ومع ذلك بقي كثيرون يصفقون له لأنه زعيم الطائفة أو الحزب، أو لأنه يؤمن لهم منفعة أو وظيفة أو خدمة.
كنا نعرف سرقة الكهرباء، وتهريب المحروقات، وهدر مليارات الدولارات على مشاريع فاشلة، وأموال الدعم التي تبخرت، والسدود التي ابتلعت الأموال، وبواخر الكهرباء التي تحولت إلى رمز للهدر، والصفقات المشبوهة، والتحويلات المالية إلى الخارج، والإنفاق الباذخ على حساب شعب يزداد فقرًا. وكنا نعرف أن هذا كله جرى في ظل منظومة سياسية تقاسمت الدولة، وبالتوازي مع دويلة فرضت موازين قوى عطّلت قيام الدولة وسيادة القانون.
ومع ذلك، استمر التصفيق… واستمرت صناديق الاقتراع في إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، وكأن اللبنانيين كانوا يكافئون من أوصلهم إلى الإفلاس.
اليوم، وبعد أن جفّت الخزينة، لم يعد لدى الدولة ما تبيعه، ولا ما تستدينه، ولا ما تهدره. فكان الخيار الأسهل: جيب المواطن. وهذا مؤلم، لكنه ليس بداية المأساة، بل إحدى نتائجها الطبيعية.
لذلك، كفانا نفاقًا، وكفانا البحث في كل مرة عن موظف أو وزير نعلّق عليه غضبنا، بينما نتهرب من مواجهة أصل الداء. فالضريبة ليست أصل المشكلة، بل واحدة من نتائجها.
لن ينقذ لبنان وزير، ولا ضريبة، ولا قرض خارجي. الذي ينقذه هو قيام دولة حقيقية، سيدة على كامل أراضيها، تحتكر وحدها قرارها الأمني والعسكري، وتملك حكومة كفوءة ونزيهة، وقضاءً مستقلًا لا يعرف الحصانات ولا الخطوط الحمراء، ونظامًا رقابيًا يحاسب كل من سرق ليرة واحدة من المال العام، أيًا كان اسمه أو موقعه أو طائفته أو حزبه.
أما إذا بقينا نمارس الهواية اللبنانية القديمة: نلعن النتيجة ونحمي السبب، فسندفع غدًا ضرائب أكبر، وسنعيش انهيارات أعمق، وسنورث أبناءنا وطنًا لا يشبه إلا فشلنا الجماعي.
لقد حان الوقت لنعترف بالحقيقة: ما أوصل لبنان إلى هذا الدرك لم يكن الفساد وحده، بل قبولنا به، وتبريرنا له، وصمتنا عنه. وعندما يتوقف اللبناني عن حماية الفاسد لأنه من طائفته أو حزبه، تبدأ رحلة الخلاص الحقيقية.
إن معركتنا الحقيقية ليست مع ضريبة جديدة، بل مع نظام سياسي أنتج الفساد وحماه، ومع ثقافة شعبية غفرت له وصفقت له وأعادت انتخابه. وعندما يسقط هذا التحالف بين الفساد والتبعية، يولد لبنان الذي يستحقه أبناؤه: دولة قانون، ودولة عدالة، ودولة كرامة.
عامر منير البحصلي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.