وقف تنفيذ قانون العفو ومدى جدية أسباب الطعن / 3

5

المحامي  أسامة العرب

بل السؤال الأدق هو: لماذا استفادت هذه الفئة تحديداً؟ وهل توجد صلة موضوعية بين الاستفادة وبين الغاية التي استهدفها التشريع؟ وهل الفارق في المعاملة متناسب مع هذه الغاية؟ وإذا كان القانون، كما يقول الطعن، قد أحال بصورة خاصة إلى القانون رقم 194 لسنة 2011، أو منح تخفيضات استثنائية لأشخاص يمكن تحديدهم سلفاً، فقد تنشأ بالفعل مسألة دستورية جدية حول مدى احترام عمومية القاعدة وتجردها. لكن حتى في هذه الحالة، لا يعني اكتشاف عدم دستورية فقرة أو فئة محددة سقوط القانون كله.

وهنا تكمن أهمية الإبطال الجزئي بوصفه أداة دستورية أكثر اتزاناً: إزالة الجزء المخالف للدستور والإبقاء على الأجزاء التي يمكن أن تستمر بصورة مستقلة ومنسجمة مع أحكامه.

ثامناً: حقوق الضحايا لا تختفي بالعفو العام

ولا ينبغي، في خضم الجدل الدستوري والسياسي، أن يغيب الإنسان عن النص القانوني. فخلف كل دعوى عامة شخص قد يكون فقد قريباً، أو تعرض لضرر مادي أو معنوي، أو انتظر سنوات طويلة لكي يرى العدالة تتحقق. ولذلك فإن العفو العام لا يمكن أن يُناقش باعتباره مجرد تقنية قانونية لإسقاط العقوبة؛ إنه يمس أيضاً شعور الضحايا بالإنصاف، والثقة العامة بالعدالة، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة المشرّع حين يقرر إنهاء الملاحقات أو محو العقوبات.

لكن ينبغي في المقابل التمييز بين الدعوى العامة وبين الحقوق الشخصية والمدنية للمتضررين. فالعفو العام، من حيث طبيعته، يتعلق بالآثار الجزائية التي يحددها القانون، ولا يجوز أن يتحول تلقائياً إلى وسيلة لمحو كل أثر مدني للضرر أو حرمان المتضرر من حقه في المطالبة بحقوقه الخاصة، إلا في الحدود التي يجيزها الدستور والقانون.

ومن هنا، فإن حماية حقوق الضحايا قد تشكل معياراً مهماً في فحص دستورية بعض أحكام القانون، لكنها لا تقود بالضرورة إلى النتيجة القصوى، أي إبطال القانون برمته.

تاسعاً: هل تكفي أسباب الطعن لإبطال القانون كله؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة. إن الإبطال الكلي ليس النتيجة الطبيعية لكل طعن دستوري ناجح. فالقاعدة الأكثر انسجاماً مع استمرارية التشريع هي أن يقتصر الإبطال على الأحكام التي ثبت تعارضها مع الدستور، متى أمكن فصلها عن باقي القانون من دون المساس ببنيته الأساسية أو إرادة المشرّع. أما إسقاط القانون بأكمله، فيفترض أن يكون العيب الدستوري قد أصاب جوهر القانون أو بنيته الأساسية، بحيث لا يعود ممكناً الإبقاء على أجزاء منه بصورة مستقلة ومنسجمة.

وهذا هو الفارق بين وجود مخالفة دستورية في القانون وبين عدم دستورية القانون برمته. فقد يرى المجلس الدستوري، على سبيل المثال، أنّ عبارة معينة تتضمن تمييزاً غير مبرر، أو أنّ حكماً محدداً يتجاوز حدود فصل السلطات، أو أنّ فقرة ما صيغت بطريقة غامضة لا تستقيم دستورياً؛ عندها يمكن إبطال هذه الفقرة أو العبارة مع إبقاء باقي القانون. أما الانتقال من هذه النتيجة الجزئية إلى إبطال شامل، فيحتاج إلى إثبات أنّ المخالفة ليست قابلة للعزل، وأنّها أصابت الأساس الذي يقوم عليه القانون.

وبالنظر إلى الأسباب الواردة في الطعن، يبدو من الصعب، في هذه المرحلة، اعتبار أن الأسباب المطروحة، بمجملها، توفر أساساً حاسماً لإبطال القانون بكامله. فبعضها يحتاج إلى إثبات وقائعي دقيق، وبعضها يتعلق بتفسير الإجراءات التشريعية، وبعضها الآخر قد يؤدي، حتى في حال قبوله، إلى معالجة أحكام محددة دون أن يمسّ البناء الكامل للقانون.

عاشراً: لا ينبغي أن يتحول القضاء الدستوري إلى ساحة للحسم السياسي

العفو العام بطبيعته قضية سياسية بقدر ما هو قضية قانونية، وربما كان هذا تحديداً ما يجعل الرقابة عليه أكثر حساسية. فقد يرى فريق سياسي أن العفو ضرورة وطنية، فيما يراه فريق آخر تساهلاً مع الجريمة أو تكريساً للإفلات من العقاب. وقد تنقسم الآراء بين من ينظر إلى المستفيدين باعتبارهم مواطنين يستحقون فرصة جديدة، ومن ينظر إلى حقوق الضحايا بوصفها أولوية لا يجوز التضحية بها.

لكن المجلس الدستوري لا يستطيع أن يحسم هذا الخلاف السياسي لمصلحة فريق على حساب آخر. وظيفته أضيق وأعمق في آن واحد: أن يضع الدستور حداً للسلطة التشريعية عندما تتجاوز حدوده، وأن يترك للمشرّع هامش الاختيار حيث لا يوجد نص دستوري يمنعه من ذلك.

وهذا يعني أن عدم موافقة البعض على فلسفة العفو العام أو على بعض خياراته لا تكفي لإبطال القانون. فالقضاء الدستوري ليس محكمة ملاءمة سياسية، ولا يملك أن يستبدل تقديره بتقدير المشرّع لمجرد أنّه يفضل سياسة جنائية مختلفة.

في الختام، إن قرار وقف تنفيذ قانون العفو العام الصادر عن المجلس الدستوري في 10 أيلول 2026 ينبغي أن يُقرأ بهدوء، بعيداً عن التفسيرات المتسرعة التي تجعل منه حكماً نهائياً على القانون. فهو، في جوهره، تدبير مؤقت فرضته طبيعة الآثار التي يمكن أن يرتبها تنفيذ قانون واسع المفاعيل قبل حسم دستوريته. أما المعركة الحقيقية فتبدأ مع القرار النهائي.

وفي تقديري، فإن الطعن المطروح أمام المجلس يتضمن مسائل دستورية قابلة للنقاش الجدي، ولا سيما حيث يتعلق الأمر بسلامة تكوين الإرادة التشريعية، ووضوح بعض الأحكام، ومدى احترام مبدأ المساواة وتجرد القاعدة القانونية، والحدود الدستورية للعفو العام وحقوق الضحايا. لكن قابلية هذه المسائل للنقاش لا تعني، في حد ذاتها، أنّها تكفي لإسقاط القانون بأكمله. والأرجح منطقاً في الرقابة الدستورية أن يبحث المجلس في كل حكم على حدة، وفي مدى قابليته للفصل عن بقية النص. فإذا وجد أحكاماً تتعارض مع الدستور، فإن الإبطال الجزئي يظلّ هو الحل الأكثر اتزاناً متى كان الجزء السليم من القانون قابلاً للاستمرار مستقلاً عن الجزء المخالف.

أما الإبطال الكلي، فيحتاج إلى عيب دستوري جوهري يصيب القانون في أساسه ويجعل الإبقاء على أي جزء منه متعذراً أو منافياً لإرادة المشرّع. وهذه العتبة العالية لا تبدو، من خلال الأسباب المعروضة في الطعن، متحققة بصورة واضحة وحاسمة في هذه المرحلة. ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقال في هذه القضية هو أنّ الدستور لا يحمي القانون من الرقابة، كما لا يحمي الطعن من الرفض؛ وإنما يحمي الدولة من أن تكون إرادة أي سلطة فيها فوق الدستور.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون الغاية من الرقابة الدستورية الانتصار السياسي لطرف أو هزيمة طرف آخر، بل حماية القاعدة التي تجعل الجميع، سلطةً وأفراداً، متساوين أمام الدستور. فإذا كان في قانون العفو العام ما يخالف هذه القاعدة، فليُزل المخالف منه؛ وإذا كان في بقيته ما يستقيم دستورياً، فليستمر. تلك هي وظيفة القضاء الدستوري في دولة القانون: أن يصون الدستور من دون أن يتحول إلى مشرّع، وأن يصون التشريع من دون أن يتحول إلى حصانة تعفيه من الدستور.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.