حرية الإعلام حصانة للديمقراطية ومسؤولية في حماية الوطن
الوزير السابق وديع الخازن
عميد المجلس العام الماروني
إنّ صون الحرية الإعلامية في لبنان ليس مجرّد مسألة قانونية تتصل بتنظيم المهنة وأصول ممارستها، بل هو ركن أساسي من أركان النظام الديمقراطي، وضمانة لا غنى عنها لحماية الحقيقة، وتعزيز المساءلة، وترسيخ حق المواطن في المعرفة. ومن هذا المنطلق، نرى في الموقف الذي أعلنه نقيبا الصحافة والمحررين، الصديقان عوني الكعكي وجوزف القصيفي، تعبيراً مسؤولاً عن الدور الوطني الذي تضطلع به النقابات الإعلامية في الدفاع عن كرامة المهنة واستقلاليتها، وعن حق الصحافيين والإعلاميين في أداء رسالتهم بعيداً عن أي ترهيب أو تضييق.
لقد أحسن النقيبان في التنبيه إلى الثغرات التي قد تنشأ عن تطبيق بعض مواد قانون الإعلام الجديد، ولا سيما المادة 104، بما يثيره استخدامها من إشكاليات تتصل بالضمانات القانونية الممنوحة للعاملين في الحقل الإعلامي. فالقوانين، مهما بلغت أهميتها، لا تُقاس بحداثة نصوصها فحسب، بل أيضاً بمدى انسجام تطبيقها مع روح الدستور، ومبادئ العدالة، والحريات العامة التي يقوم عليها لبنان.
أمّا استدعاء الصحافية إيناس الجرمقاني إلى المخفر، بدلاً من اتباع الأصول القضائية التي كان معمولاً بها في قضايا النشر، يعيد إلى الواجهة ضرورة التمييز الواضح بين المساءلة القانونية المشروعة وبين الإجراءات التي قد تُفسَّر على أنها وسيلة ضغط على الصحافيين بسبب ما يكتبونه أو ينشرونه. ومن هنا، فإنّ المطالبة باحترام الأصول القضائية الخاصة بقضايا الإعلام ليست انتقاصاً من صلاحيات القضاء أو تشكيكاً في دوره، بل هي تأكيد أنّ العدالة تزداد رسوخاً حين تقترن بالضمانات التي تحمي الحقوق وتصون كرامة الإنسان.
إنّ القضاء اللبناني يبقى المرجعية الأساسية للفصل في النزاعات، ومن واجب الجميع احترام أحكامه واستقلاليته. غير أنّ استقلال القضاء يكتمل باحترام القواعد القانونية التي تكفل المحاكمة العادلة، وتمنع تحوّل الإجراءات إلى مصدر قلق أو ترهيب للعاملين في الصحافة والإعلام. لذلك، فإنّ معالجة الإشكاليات التي أثيرت حول المادة 104، في ضوء التعديلات المقترحة، تبدو ضرورة وطنية وتشريعية تستدعي التعاطي معها بحكمة ومسؤولية، بعيداً عن التسرّع أو التجاذبات.
ولا يجوز أن تتحوّل الخلافات بين الصحافيين والشخصيات العامة أو المؤسسات التجارية إلى مناسبات لاستسهال الاتهامات الخطيرة، أو استخدام عبارات من قبيل اختلاق الأخبار الكاذبة والتحريض وإثارة النعرات، من دون الاستناد إلى معايير قانونية واضحة وأدلة جدية. فالمطلوب هو تحقيق التوازن الدقيق بين حماية السمعة والحقوق الفردية من جهة، وصون حرية التعبير وحق الإعلام في الاستقصاء والنقد وكشف مكامن الخلل من جهة أخرى. ولا يستقيم هذا التوازن إذا شعر الصحافي بأنّ كل تحقيق أو موقف نقدي قد يعرّضه لعقوبات سالبة للحرية.
ومن هنا، تبرز أهمية تعليق العمل بالمادة 104، ريثما تُدرس التعديلات المقترحة وتُعالج الثغرات التي أشار إليها اتحاد الصحافة اللبنانية، بما يضمن إزالة العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وتوحيد الضمانات التي تحمي الجسم الإعلامي، وتكريس قواعد واضحة لا تحتمل التأويل الذي قد ينتقص من الحريات. فحرية الصحافة ليست امتيازاً ممنوحاً لأصحاب الأقلام، بل حقّ عام للمجتمع، وشرط أساسي لقيام دولة القانون والمؤسسات.
وفي هذا السياق، نقدّر عالياً الجهود التي يبذلها النقيبان عوني الكعكي وجوزف القصيفي، وما يتحلّيان به من يقظة نقابية وحرص مهني في متابعة هذه القضية. إنّ تحرّكهما المشترك يعكس أهمية وحدة الجسم الإعلامي، ويؤكد أنّ الدفاع عن الصحافة مسؤولية جماعية تتجاوز الاعتبارات الشخصية والفئوية، ولا سيما في مرحلة انتقالية دقيقة تتطلب أعلى درجات الحكمة والتعاون.
كما نأمل أن يبادر النائب العام التمييزي إلى أخذ هذه الهواجس بعين الاعتبار، وأن يضطلع وزير الإعلام بدور فاعل وسريع في متابعة الثغرات المطروحة، بالتعاون مع النقابتين والجهات المعنية، وصولاً إلى حلول تحفظ هيبة القانون وكرامة الإعلاميين في آنٍ واحد.
إنّ لبنان الذي نشأ على التعددية وحرية الرأي لا يستطيع أن يحافظ على مكانته من دون صحافة حرة ومسؤولة، ولا أن يستعيد الثقة بدولته إذا تراجعت الضمانات التي تحمي الكلمة. فالقوة الحقيقية للدولة لا تكمن في تقييد النقد، بل في قدرتها على تقبّله، وتصحيح أخطائها، والاحتكام إلى القانون. ومن هنا، فإنّ حماية الإعلام ليست مطلباً نقابياً فحسب، بل التزام وطني وأخلاقي يقتضي من الجميع التمسك بالحوار والتشريع المتوازن، كي تبقى الكلمة الحرة رافعة للديمقراطية، وشريكاً أساسياً في بناء دولة عادلة وقادرة.
الوزير السابق وديع الخازن
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.