التعديلات المطلوبة صوناً لحرية الصحافة واستقلال العمل الإعلامي / 1

3

بقلم د. ابراهيم العرب

كان يُفترض أن يشكّل قانون الإعلام الجديد محطة تشريعية مفصلية في مسار تحديث البيئة القانونية الناظمة للعمل الصحافي والإعلامي في لبنان، ولا سيما بعد سنوات طويلة من النقاشات والاجتماعات والاقتراحات داخل اللجان النيابية، وبعد مطالب متكررة بضرورة الانتقال من تشريعات متفرقة لم تعد تستجيب للتحولات التقنية والمهنية التي طرأت على قطاع الإعلام.

فالإعلام، في مفهوم الدولة الحديثة، ليس مجرد نشاط تجاري أو مهني يخضع للترخيص والرقابة، بل هو أحد المكونات الأساسية للحياة الديمقراطية، ووسيلة من وسائل ممارسة الحق في المعرفة وتكوين الرأي العام ومراقبة أداء السلطات العامة. ومن ثم، فإن أي تشريع إعلامي حديث ينبغي أن يقوم على معادلة دقيقة: تنظيم المهنة من دون خنقها، ومساءلة من دون ترهيب، وحماية الحقوق من دون تحويل القانون إلى أداة يمكن استخدامها لتقييد النقد أو إسكات الأصوات المخالفة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبرز الإشكاليات التي تحيط بالصيغة التي أقرّها مجلس النواب لقانون الإعلام الجديد. فبدلاً من أن يشكل النص، في بعض جوانبه، نقلة تشريعية تضع لبنان في مصاف الدول التي تحمي حرية الصحافة وتواكب التحولات الرقمية، فإن عدداً من أحكامه يعيد إنتاج منطق العقوبة الجزائية والقيود التنظيمية الواسعة، بما يستدعي مراجعة جدية قبل أن يستقر القانون في بنيته النهائية.

ولا تعني المطالبة بتعديل القانون رفض مبدأ التنظيم التشريعي، بل على العكس؛ إذ إن التشريع الإعلامي الجيد هو الذي يحمي الصحافي والمؤسسة الإعلامية معاً، ويضع قواعد واضحة للمساءلة، ويمنع الاحتكار، ويصون التعددية، ويضمن استقلال الهيئة الناظمة، من دون أن يحوّل المخالفة المهنية إلى جريمة، أو النقد الصحافي إلى فعل يستوجب السجن.

أولاً: المادة 104 وإشكالية العقوبات السالبة للحرية

تُعد المادة 104 من أكثر مواد القانون إثارة للقلق من المنظور الحقوقي والمهني، لكونها تعيد إدخال عقوبة الحبس في المجال المتصل بالنشر الإعلامي. وهي تعاقب من يتعمد اختلاق معلومات مضللة أو نشر أخبار كاذبة بالحبس مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة أو إحدى العقوبتين، مع ما قد يترتب على بعض صور التجريم من تشديد للعقوبة.

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: ما المقصود تحديداً بالخبر الكاذب؟ وما الحد الفاصل بين الخطأ الصحافي، والتقدير المهني غير الدقيق، والمعلومة غير المكتملة، والتضليل المتعمد؟

إن غياب تعريف تشريعي بالغ الدقة لهذه المفاهيم يفتح الباب أمام اجتهادات واسعة في التفسير، ويضع الصحافي أمام مساحة من عدم اليقين القانوني لا تنسجم مع مبدأ الشرعية الجزائية الذي يقتضي أن تكون الأفعال المجرّمة محددة بصورة واضحة لا تحتمل التوسع.

وعليه، فإن الخيار الإصلاحي الأكثر اتزاناً يتمثل في إلغاء الفقرتين “ب” و”ج” من المادة 104، ولا سيما ما يرتبط منهما بالعقوبات السالبة للحرية، أو إلغاء المادة 104 برمتها وإعادة صياغة المسؤولية عن النشر ضمن إطار واضح يميز بين الخطأ المهني والتضليل المتعمد والتحريض على ارتكاب الأفعال الجرمية. فالصحافي الذي يخطئ في نقل معلومة لا يمكن معاملته بالضرورة معاملة من يتعمد تصنيع الأخبار بغرض التضليل.

وفي المقابل، فإن معالجة حالات الضرر الناتج عن النشر يمكن أن تتم، في الأصل، عبر وسائل أكثر تناسباً مع طبيعة العمل الإعلامي، من قبيل التصحيح، والرد، والتعويض المدني، والغرامات المتناسبة، مع إبقاء التجريم الجزائي محصوراً في الحالات الاستثنائية التي تتوافر فيها عناصر جرمية واضحة.

إنّ سلب الحرية ينبغي ألا يكون الوسيلة الطبيعية لمعالجة الأخطاء الصحافية، لأن السجن في هذا السياق لا يعاقب الصحافي وحده، بل يخلق أثراً رادعاً يتجاوز الشخص المعني إلى الوسط الإعلامي برمته، فيدفع الصحافيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية خشية الملاحقة.

ثانياً: إعادة النظر في مفهوم “جرائم النشر”

من الضروري، في أي قانون إعلامي عصري، إعادة النظر في المصطلحات القانونية المستخدمة لوصف المخالفات المرتكبة بواسطة النشر. فاستعمال تعبير “جرائم النشر” على نحو واسع يكرس، من الناحية الرمزية والقانونية، مقاربة جزائية للعمل الصحافي. والأدق، حيث تكون طبيعة الفعل لا تستدعي التجريم الجزائي، اعتماد تعبير “مخالفات النشر”، بما يعكس فلسفة مختلفة في تنظيم المسؤولية الإعلامية.

فالصحافي ليس مجرماً بحكم مهنته، كما أن ممارسة النقد السياسي أو نقل الوقائع أو مساءلة السلطة العامة ليست أفعالاً ينبغي أن ينظر إليها المشرّع من زاوية العقاب أولاً، بل من زاوية التوازن بين حرية التعبير والحقوق التي يحميها القانون.

ثالثاً: المادة 115 وحماية وحدة الجسم الصحافي والإعلامي

تستوجب الفقرة “ه” من المادة 115 إعادة نظر دقيقة، ولا سيما لناحية النص الذي يقرر تمتع الصحافيين بحق تأسيس نقابات أو الانضمام إليها بحرية.

ولا تنطلق هذه الملاحظة من موقف معادٍ لمبدأ الحرية النقابية، بل من اعتبارات تتصل بطبيعة الجسم الصحافي اللبناني وتركيبته التاريخية وبضرورة الحفاظ على وحدته المهنية وتمثيله النقابي الفاعل. فالتوسع غير المنظم في إنشاء نقابات متوازية قد يؤدي إلى تفتيت التمثيل المهني، وإضعاف القدرة على الدفاع الجماعي عن حقوق الصحافيين، وتحويل النقابة من مؤسسة جامعة إلى مجموعة أطر متنافسة على التمثيل.

ومن هنا، فإن أي تعديل في هذا المجال ينبغي أن يحافظ على الحق النقابي، مع وضع قواعد واضحة تمنع ازدواجية التمثيل والفوضى المؤسسية، وتحمي وحدة الجسم الصحافي بدلاً من تفكيكه.

رابعاً: استقلال الهيئة الوطنية للإعلام وتركيبتها

تشكل الهيئة الوطنية للإعلام إحدى أكثر النقاط حساسية في القانون، لأن استقلال الجهة الناظمة يمثل شرطاً أساسياً لسلامة النظام الإعلامي.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.