بعد 16 عامًا… قانون للإعلام أم قانون على الإعلام؟

5

بقلم دافيد عيسى

انتظر لبنان قانوناً جديداً للإعلام ستة عشر عاماً، فوصل أخيراً إلى الهيئة العامة لمجلس النواب وأُقرّ.

لكن القانون، بدلاً من أن يطوي صفحة الجدل حول مستقبل الإعلام، فتح نقاشاً جديداً حول حدود الحرية والمسؤولية، وحول الدور الذي يفترض أن يؤديه التشريع في حماية الصحافة وتنظيمها.

كان يفترض أن يشكّل إقرار قانون الإعلام الجديد محطة فاصلة في مسار تحديث التشريع الإعلامي في لبنان، وأن يفتح الباب أمام قانون يواكب التحولات الكبيرة التي طرأت على المهنة، من الصحافة التقليدية إلى الإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى المواقع والمنصات الرقمية.

ولا يمكن إنكار أن القانون يتضمن في بعض مواده عناصر تحديث مهمة، خصوصاً لجهة توسيع الإطار القانوني ليشمل مختلف الوسائط الإعلامية، وتنظيم حق الرد والتصحيح، والإعلانات واستطلاعات الرأي، فضلاً عن استحداث هيئة وطنية للإعلام تتولى أدواراً تنظيمية ورقابية.

وهذه نقاط أساسية في أي محاولة جدية لتحديث التشريع الإعلامي، خصوصاً أن المشهد الإعلامي اللبناني تغيّر بصورة جذرية خلال السنوات الست عشرة التي استغرقها إعداد القانون.

فقد أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة الإعلامية، ولم يعد ممكناً التعامل مع الإعلام الجديد بمنطق القوانين القديمة. لكن القانون لا يُقاس فقط بما ينظّمه، بل أيضاً بما يفرضه من قيود، وبالضمانات التي يوفرها لحماية حرية الصحافة واستقلالها.

وهنا تبدأ المشكلة.

فقد رفضت نقابتا الصحافة والمحررين القانون بصيغته التي أقرّها مجلس النواب، وأعلنتا عزمهما على مواجهته قضائياً وميدانياً، وصولاً إلى الطعن في دستوريته أمام المجلس الدستوري.

وهذا الموقف يستحق التوقف عنده، لا لأنه صادر عن أهل المهنة فحسب، بل لأن جوهر الاعتراض يتصل بالسؤال الأهم الذي يفترض أن يكون في صلب أي تشريع إعلامي: كيف نحمي حرية الصحافة من دون أن نحول المسؤولية المهنية إلى مدخل للعقاب والسجن؟

ويتمحور الاعتراض الأساسي حول مواد ترى النقابتان أنها تُبقي على إمكانية فرض عقوبات سالبة للحرية في بعض قضايا النشر، وهو ما يثير مخاوف جدية على حرية الصحافة والعمل الإعلامي.

وبعد ستة عشر عاماً من العمل على قانون جديد، كان يفترض أن تكون الأولوية للانتقال من منطق العقوبة الجزائية إلى منطق المسؤولية المهنية والمدنية، وأن يصبح الهدف من التشريع حماية المجتمع وحقوق الأفراد، من دون تحويل السجن إلى وسيلة لمعالجة أخطاء النشر.

فالصحافي ليس فوق القانون، والمؤسسة الإعلامية ليست فوق المساءلة، ومن حق أي شخص أن يدافع عن سمعته وحقوقه، كما أن من حق المجتمع أن يحاسب الإعلام عندما يتجاوز المعايير المهنية.

لكن السؤال يبقى: ما نوع هذه المساءلة؟ هل تكون عبر حق الرد والتصحيح؟ أم عبر القضاء المدني والتعويض ورد الاعتبار؟ أم من خلال آليات مهنية واضحة ومستقلة؟ أم تكون موجعة ماليآ؟  أم تبقى عقوبة السجن حاضرة في مواجهة الكلمة المنشورة؟

هنا تحديداً تكمن أهمية النقاش.

فحرية الصحافة لا تعني غياب المسؤولية، كما أن المسؤولية لا تعني إضعاف الحرية.

والقانون الحديث يفترض أن يحقق التوازن بين الأمرين: أن يحمي حق الصحافي في البحث والنشر، وأن يحمي في الوقت نفسه حقوق الأفراد وسمعتهم وخصوصيتهم.

والأهم أن يقوم هذا التوازن على فلسفة واضحة: تنظيم الإعلام لا يعني إخضاعه للرقابة، والمساءلة لا تعني الترهيب.

فالقانون الجيد ليس الذي يجعل الإعلام أكثر حذراً من السلطة، بل الذي يجعله أكثر التزاماً بالمهنية.

وليس المطلوب أن يكون الصحافي محصناً من المسؤولية، بل أن يكون محمياً من أن تتحول المسؤولية إلى وسيلة لإسكاته.

ومن هذه الزاوية، فإن إدخال الإعلام الرقمي في صلب القانون، وتعزيز حق الرد والتصحيح، وتنظيم القطاع، يمكن أن يشكّل تقدماً مهماً، شرط أن تكون هذه الآليات ضمانة للاستقلال والتنوع، لا أدوات إضافية للرقابة على العمل الإعلامي.

وينطبق الأمر نفسه على الهيئة الوطنية للإعلام التي يستحدثها القانون.

فوجود هيئة ناظمة يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان هدفها تنظيم القطاع وحماية التعددية والمعايير المهنية، لكن نجاحها سيبقى مرتبطاً بمدى استقلاليتها، وبالضمانات التي تمنع تحولها إلى أداة ضغط أو رقابة على المؤسسات الإعلامية والصحافيين.

فالمشكلة ليست في وجود التنظيم بحد ذاته، بل في طبيعة هذا التنظيم، وفي الجهة التي تمارسه، وفي حدود الصلاحيات الممنوحة لها، ومدى استقلالها عن السلطة السياسية.

وهنا لا بد من القول إن الإعلام اللبناني، بما يمثله من تعددية سياسية وفكرية، يحتاج إلى قانون يحمي هذه التعددية، لا إلى قانون يضيّق مساحتها.

فحرية الإعلام ليست امتيازاً للصحافي وحده، بل هي في جوهرها حق للمجتمع في المعرفة، وحق للمواطن في الوصول إلى المعلومات والاستماع إلى الآراء المختلفة.

لذلك، فإن تقييم قانون الإعلام الجديد لا ينبغي أن يكون أبيض أو أسود.

له ما له: تحديث للإطار التشريعي، وتنظيم لمختلف الوسائط، وإدخال الإعلام الرقمي في صلب القانون، وتعزيز بعض آليات الشفافية وحق الرد والتصحيح.

وعليه ما عليه: الإبقاء على عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر، وما يرافق ذلك من مخاوف على حرية الصحافة، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بضمانات استقلال الإعلام والهيئة الناظمة، وحماية الصحافيين من أي استخدام تعسفي للقانون.

وفي النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أن لبنان أقرّ قانوناً جديداً للإعلام، بل في أن قانوناً انتظره اللبنانيون ستة عشر عاماً لم يحسم بصورة نهائية السؤال الأكثر حساسية: هل نريد قانوناً يعاقب الصحافي على الكلمة بالسجن، أم قانوناً يحمي المجتمع من أخطاء الإعلام من دون أن يسجن حرية التعبير؟

هذا هو الاختبار الحقيقي لأي قانون للإعلام.

ولذلك، فإن اعتراض نقابتي الصحافة والمحررين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره اعتراضاً نقابياً عابراً، بل باعتباره جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل حرية الإعلام في لبنان، وحول العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الصحافي والقانون والسلطة والمجتمع.

فإقرار القانون ليس نهاية النقاش، بل بدايته.

والقانون الذي انتظره اللبنانيون ستة عشر عاماً يجب ألا يكتفي بأن يكون جديداً في اسمه، بل أن يكون حديثاً في فلسفته، واضحاً في ضماناته، ومتقدماً في نظرته إلى حرية الصحافة ومسؤوليتها.

فالإعلام الحر لا يحتاج إلى قانون يحميه من المسؤولية، بل إلى قانون يحميه وهو يتحمّل المسؤولية.

وهنا تحديداً تكمن قيمة القانون الحقيقي: أن يحمي حرية الكلمة من دون أن يحوّلها إلى حصانة، وأن يحاسب الخطأ من دون أن يحوّل العقوبة إلى سيف مسلّط على الصحافي.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.