حديث الجمعة_محكمة الآخرة

1

الشيخ د. اسامة حداد

المفتش العام في دار الفتوى

محكمة الآخرة؛ ذلك اليوم الذي يقف فيه جميع الناس بين يدي الله تعالى، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأقوالهم، ولا تضيع عنده حقوق العباد.

ومهما طالت الحياة الدنيا فهي قصيرة، ينتقل بعدها الإنسان إلى دار الحساب.

هذه المحكمة تختلف عن محاكم الدنيا اختلافًا كبيرًا. ففي الدنيا قد ينجو الإنسان من العقوبة بسبب عدم وجود الأدلة الكافية، أو بسبب خطأ في الحكم، أو لأنّ أحدًا لم يشاهد ما فعله.

أمّا أمام الله تعالى، فلا مجال للخطأ أو الظلم، لأنّ الله تعالى يعلم السر وأخفى، قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ سورة الكهف. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ سورة النساء.

يقف الناس جميعًا أمام رب العالمين، لا فرق بين غني وفقير، ولا قوي وضعيف، ولا صاحب منصب أو إنسان بسيط. فالميزان في ذلك اليوم هو العمل والتقوى.

ولكل إنسان صحيفة تُسجَّل فيها أعماله. فما يقوله الإنسان، وما يفعله، وما يقدمه من خير، وما يرتكبه من أخطاء، كل ذلك محفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ سورة الإسراء.

وهذا يجعل الإنسان أكثر وعيًا بأفعاله؛ فالكلمة الطيبة التي يقولها، والمساعدة التي يقدمها، والصدقة التي يعطيها، وبرّه بوالديه، ورحمته بالناس، كلها أعمال لا تضيع. وكذلك الظلم والكذب والغش وأكل حقوق الآخرين، كلها أمور سيحاسب عليها الإنسان إن لم يتب منها ويصلح ما أفسده.

ومن دقة عدل الله تعالى في ذلك اليوم أنّ الإنسان لا يستطيع إنكار أعماله؛ فتشهد عليه جوارحه التي استخدمها في الدنيا. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة يس.

ومن أخطر الأمور في محكمة الآخرة حقوق العباد. فقد يغفر الله للإنسان كثيرًا من تقصيره إذا تاب إليه توبة صادقة، ولكن حقوق الناس تحتاج إلى ردّ الحقوق أو طلب المسامحة ممن وقع عليه الظلم، بحسب الحال.

لذلك يجب على الإنسان أن يحذر من ظلم الآخرين، سواء كان الظلم بالمال أو بالكلام أو بالإساءة أو بالافتراء أو بأخذ الحقوق. فقد ينسى الإنسان ما فعله، لكن الله لا ينسى شيئًا.

ومن هنا تظهر أهمية التسامح وردّ المظالم في الدنيا قبل أن يأتي يوم لا يستطيع فيه الإنسان أن يعود إلى الدنيا ليصلح ما أفسده.

ومن مشاهد يوم القيامة الميزان الذي تُوزن به الأعمال. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ سورة الأنبياء.

فالإنسان لا ينبغي أن يحتقر أي عمل صالح مهما كان صغيرًا. ربما تكون كلمة طيبة سببًا في أجر عظيم، وربما تكون مساعدة بسيطة سببًا في رحمة الله. وفي المقابل، لا ينبغي للإنسان أن يستهين بالمعصية، لأنّ الاستهانة بالخطأ قد تقود إلى أخطاء أكبر.

الاستعداد لمحكمة الآخرة

الاستعداد لذلك اليوم لا يكون بالكلام فقط، بل بالأعمال. يبدأ الإنسان بالمحافظة على صلته بالله، والحرص على الصلاة، وبرّ الوالدين، وصلة الرحم، ومساعدة المحتاج، والصدق في التعامل، والابتعاد عن الظلم والعدوان.

كما ينبغي للإنسان أن يراجع نفسه باستمرار ويسألها: هل ظلمت أحدًا؟ هل قصّرت في حق الله؟ هل جرحت شخصًا بكلامي؟ هل أخذت حقًا ليس لي؟ هل أستطيع أن أصلح هذا الخطأ قبل أن يأتي يوم الحساب؟

هذه المراجعة اليومية للنفس تجعل الإنسان أكثر قربًا من الخير، وتمنعه من الاستمرار في الخطأ.

الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء

من أهم ما ينبغي أن يتذكره الإنسان أنّ الدنيا ليست النهاية. فالمال والمناصب والشهرة وكل ما يملكه الإنسان سيتركه يومًا ما، ولن يصحبه إلى قبره إلا عمله.

لذلك لا ينبغي للإنسان أن يجعل الدنيا هدفه الوحيد، بل يجعلها فرصة للعمل الصالح وبناء المستقبل الحقيقي. فكل يوم يمر من عمر الإنسان هو فرصة جديدة للتوبة والعمل والإحسان.

إنّ التفكير في محكمة الآخرة لا يعني أن يعيش الإنسان حزينًا أو خائفًا دائمًا، بل يعني أن يعيش مسؤولًا، يعرف قيمة الوقت، ويحسن معاملة الناس، ويحرص على أن يترك أثرًا طيبًا في حياته.

ختاماً ،

إنّ محكمة الآخرة هي أعظم محكمة، لأنها محكمة العدل الكامل، فلا يضيع فيها حق، ولا ينجو الظالم بظلمه، ولا يضيع عمل صالح قام به إنسان مخلص. هناك تظهر حقيقة الأعمال، وتنكشف الحقائق، ويعرف الإنسان قيمة كل لحظة عاشها في الدنيا.

لذلك ينبغي لكل إنسان أن يستعد لذلك اليوم من الآن، بالتوبة والاستغفار، والعمل الصالح، وردّ الحقوق، والإحسان إلى الناس، والابتعاد عن الظلم والمعاصي. قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ سورة الزلزلة.

فالسعيد من حاسب نفسه قبل أن يُحاسب، وأصلح أعماله قبل أن يقف بين يدي الله، وجعل حياته الدنيا طريقًا للوصول إلى رضوان الله ورحمته. ومحكمة الآخرة ليست مجرد فكرة نتذكرها، بل حقيقة ينبغي أن تغيّر سلوكنا وأخلاقنا وطريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين. وكل يوم جديد هو فرصة لأن نكون أفضل، وأن نضيف إلى صحيفة أعمالنا ما ينفعنا يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه، وإنما ينفع الإنسان ما قدّم من عمل صالح.

الشيخ د. اسامة حداد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.