لا لتحويل سوريا إلى ملعب لتصفية الحسابات
بقلم د. يوسف العميري
من حقنا كعرب أن نتساءل إلى أين تريد إسرائيل أن تأخذ المنطقة؟ فبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام، كانت سوريا تحتاج إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساتها واستعادة أمنها وسيادتها، لا إلى أن تتحول أراضيها مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، وألحقت أضرارا بالمدرج ومرافق المطار، لا يمكن وصفها بعملية عسكرية عابرة، فقد تحدثت مصادر سورية عن ثماني غارات، فيما لم تسجل إصابات بشرية، والأخطر أن الضربة جاءت بعد ساعات من زيارة وفد عسكري تركي للمطار لمعاينة الموقع وبحث أعمال تأهيل مدرجه، وهو توقيت يفتح الباب واسعا أمام علامات الاستفهام.
لا أريد أن أذهب إلى اتهام إسرائيل بأنها قصفت المطار فقط لأنه شهد زيارة الوفد التركي، فهذا يحتاج إلى معلومات استخباراتية وأدلة لا يملكها كاتب رأي، لكن من الصعب في الوقت نفسه تجاهل التزامن، خصوصا أن إسرائيل نفسها أعلنت أن من دوافع الضربة منع نشر قوات تركية في الموقع، بينما وصفت أنقرة هذه المبررات بأنها غير مقبولة، واتهمت إسرائيل باستخدامها لتبرير أعمال عسكرية غير قانونية وسياسات مزعزعة للاستقرار.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة..
هل أصبحت سوريا مطالبة بأن تحصل على إذن من إسرائيل قبل أن تعيد بناء مطاراتها ومؤسساتها العسكرية؟ وهل بات من حق تل أبيب أن تقرر من يتعاون مع دمشق، ومن يدخل الأراضي السورية، وأين تتمركز القوات أو الخبراء؟ وإذا كانت هناك مخاوف إسرائيلية من التعاون التركي السوري، فهل يكون الرد عليها بقصف الأراضي السورية؟
هذه ليست قضية تركية إسرائيلية فقط، وليست قضية بين أنقرة وتل أبيب، إنها قبل كل شيء قضية سيادة سورية.
قد نختلف مع تركيا في سياساتها، وقد نختلف مع دمشق في ملفات كثيرة، لكن الخلاف السياسي لا يمنح إسرائيل أو غيرها حق التعامل مع الأراضي السورية باعتبارها منطقة نفوذ مفتوحة.. سوريا دولة عربية وما تحتاجه اليوم هو الهدوء والاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها، وليس أن تصبح مرة أخرى صندوق بريد تتبادل فوقه القوى الإقليمية رسائلها العسكرية.
ما يثير القلق أكثر أن الضربة تأتي في ظل حديث متزايد عن تعاون تركي سوري في إعادة بناء القدرات والمؤسسات، وعن دور تركي في تدريب القوات السورية وإعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية، وتقارير عدة رأت في استهداف أبو الظهور رسالة إلى أنقرة ودمشق بشأن حدود الدور التركي في سوريا.
وهنا نقولها بوضوح.. لا لتحويل سوريا إلى ملعب لتصفية الحسابات.
سوريا ليست ملكا لإسرائيل، وليست ملكا لتركيا، وليست ملكا لإيران، وليست ملكا لأي قوة إقليمية أو دولية، سوريا للسوريين، وقرارها يجب أن يكون سوريا، وأي تعاون تقوم به حكومتها مع دولة أخرى يجب أن يخضع لمصالحها وسيادتها، لا لرغبات محتل أراضي عربية ويتصرف وكأن له حق رسم خرائط المنطقة وفق مصالحها الأمنية.
ما تقوم به إسرائيل في سوريا يرسخ صورة خطيرة جدا، قوة احتلال تستخدم القوة العسكرية كلما شعرت أن تطورا سياسيا أو أمنيا لا يناسب حساباتها، وهذا هو معنى البلطجة السياسية والعسكرية عندما تتحول القوة إلى بديل عن القانون والحوار.
الأخطر أن العالم قد يعتاد هذا السلوك، ضربة اليوم تصبح خبرا عابرا، وضربة غدا تصبح إجراء أمنيا، ثم يتحول انتهاك السيادة إلى أمر طبيعي لا يستحق حتى موقفا دوليا جادا.
وهذا ما يجب ألا نقبله عربيا..
نحن نريد سوريا مستقرة موحدة آمنة وقادرة على إعادة بناء مؤسساتها، لا محاصرة بالخوف من أن أي مشروع لإعادة تأهيل مطار أو بناء مؤسسة أو عقد تعاون دفاعي قد يتحول إلى هدف للقصف.
ومن الكويت، التي عرفت معنى العدوان على دولة عربية وانتهاك سيادتها، لا يمكن إلا أن نقف مع حق سوريا في السيادة والاستقرار، لا نريد لسوريا أن تصبح ساحة جديدة لصراع إسرائيل مع تركيا، ولا ساحة لصراع إسرائيل مع إيران، ولا ملعبا لأي طرف آخر.
المنطقة دفعت ما يكفي من الدم.. والسوريون دفعوا أكثر مما ينبغي.
آن الأوان أن يترك العالم سوريا تبني نفسها، وأن يفهم الجميع أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يكون ذريعة دائمة لإهدار سيادة الدول العربية.
أما تحويل سوريا إلى ملعب لتصفية الحسابات، فهذه لعبة لن يدفع ثمنها من يشعلها، وإنما سيدفع ثمنها الشعب السوري، مرة أخرى.
حفظ الله سوريا وكل أوطاننا وشعوبنا العربية.
د. يوسف العميري
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.