انتخابات التجديد النصفي: معركة على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية/ 2

9

المحامي  أسامة العرب

رابعاً: الهجرة والجريمة… بين الاعتبارات الأمنية والحقوق المدنية

تحتلّ الهجرة موقعاً متقدماً في الخطاب السياسي الجمهوري، إذ جعل ترامب من ضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي. وقد استفاد الحزب الجمهوري من هذا الملف في استقطاب الناخبين الذين يربطون بين أمن الحدود وسيادة الدولة وقدرتها على تطبيق قوانينها. غير أن المسألة لم تعد محصورة في حق الدولة في تنظيم الهجرة، بل امتدت إلى الوسائل التي تعتمدها الإدارة في تنفيذ سياستها، ولا سيما ما أثير بشأن استخدام القوّة في عمليات التوقيف والترحيل، وظروف احتجاز المهاجرين، ومدى احترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية. وهنا يواجه الجمهوريون معادلة دقيقة: كيف يحافظون على خطابهم المتشدّد في ضبط الحدود، من دون أن تتحوّل ممارسات أجهزة إنفاذ القانون إلى مصدر اعتراض لدى شرائح انتخابية كانت قد منحتهم أصواتها؟

وتبرز في هذا السياق أهمية الناخبين من أصول لاتينية، الذين لا يمكن التعامل معهم باعتبارهم كتلة انتخابية متجانسة؛ فهم يتوزعون على اتجاهات سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، وقد أظهرت الانتخابات السابقة أن شريحة منهم باتت أكثر استعداداً للتصويت للجمهوريين، خصوصاً عندما تتقدم قضايا الاقتصاد والأمن والفرص الاجتماعية على غيرها من الاعتبارات. إلا أن تشدّد سياسات الترحيل وطريقة تطبيقها قد يعيدان تشكيل مواقف بعض هذه الشرائح، بما يجعل نتائج الانتخابات مرتبطة أيضاً بقدرة الحزبين على مخاطبة مجتمع أميركي تتزايد فيه التعددية السكانية والثقافية.

أما الجريمة، فتشكّل مجالاً آخر للمنافسة الحزبية. فالجمهوريون يركزون على إنفاذ القانون وتعزيز الأمن العام، في حين يولي الديمقراطيون اهتماماً أكبر، في خطابهم السياسي، للعوامل الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالجريمة، ولضمانات المساءلة في عمل الأجهزة الأمنية. ولا ينحصر الخلاف هنا في تشخيص المشكلة، بل يمتد إلى تحديد الوسائل الأكثر فاعلية لمعالجتها، والتوازن المطلوب بين الأمن والحريات الفردية.

خامساً: الرعاية الصحية… قضية تمسّ الأمن الاجتماعي للأميركيين

إذا كان الاقتصاد هو الاختبار الأوسع لأداء الإدارة، فإن الرعاية الصحية تمثل أحد أكثر الملفات اتصالاً بالحياة اليومية للأميركيين. فالولايات المتحدة، على الرغم من مكانتها الاقتصادية والعلمية، لا تزال تواجه إشكاليات تتعلق بكلفة التأمين والعلاج وإمكانية الوصول إلى الخدمات الطبية، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.

ويتمحور جانب أساسي من النقاش الانتخابي حول مستقبل الإعانات الفدرالية التي تساعد المواطنين على شراء التأمين الصحي عبر الأسواق المنشأة بموجب قانون الرعاية الصحية الميسّرة، فضلاً عن التغييرات التي طاولت برامج الرعاية الصحية والإنفاق الاجتماعي. ويخشى الديمقراطيون أن تؤدي تقليصات التمويل وانتهاء بعض الإعانات إلى تحميل الأسر أعباء إضافية، أو إلى حرمان أعداد من المواطنين من التغطية الصحية المناسبة. في المقابل، يطرح الجمهوريون ضرورة ضبط الإنفاق ومكافحة الاحتيال وإعادة النظر في آليات تمويل البرامج الصحية.

وتزداد حساسية هذا الملف بسبب الجدل الذي أثارته مواقف وزير الصحة روبرت كينيدي جونيور من اللقاحات وبعض السياسات الطبية، وما رافقها من نقاش بشأن العلاقة بين حرية الاختيار الفردي والمسؤولية العامة في حماية الصحة المجتمعية.

وتشير بيانات مؤسسة غالوب المنشورة في 29 تشرين الأول 2026 إلى أن الاقتصاد والرعاية الصحية يتصدران أولويات الناخبين؛ إذ اعتبر 50 في المئة من المسجلين للاقتراع أن كلاً منهما مهم للغاية عند تحديد تصويتهم، فيما أعطى 47 في المئة الأهمية ذاتها للوضع في إيران. وتكشف هذه الأرقام أن الانتخابات لا تُختزل في المواقف الحزبية التقليدية، بل تتصل بقضايا معيشية ومجتمعية تتداخل فيها السياسة بالحقوق والخدمات العامة.

 سادساً: ماذا تعني السيطرة الديمقراطية على الكونغرس للسياسة الخارجية الأميركية؟

لعل أحد أبرز أوجه أهمية انتخابات التجديد النصفي يكمن في انعكاساتها المحتملة على السياسة الخارجية. فالسيطرة على الكونغرس تمنح الحزب الفائز أدوات مؤثرة في تحديد أولويات التشريع والإنفاق، وتتيح له استخدام لجان الرقابة والتحقيق لمساءلة الإدارة عن قراراتها، حتى عندما لا يكون قادراً على فرض توجهاته السياسية عليها بصورة مباشرة.

وفي حال استعاد الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب، أو تمكنوا من السيطرة على مجلس الشيوخ أيضاً، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذب بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصاً في الملفات التي تتصل بالحرب على إيران والمساعدات العسكرية والإنفاق الدفاعي والعلاقات مع الحلفاء.

1\. الحرب على إيران والرقابة على القرار العسكري

سيكون ملف الحرب على إيران في مقدمة المسائل التي يمكن أن تشهد مواجهة بين السلطتين. فالديمقراطيون يستطيعون استخدام جلسات الاستماع البرلمانية لاستدعاء المسؤولين العسكريين والسياسيين، وطلب المعلومات المتعلقة بأهداف العمليات العسكرية وكلفتها ومدتها، فضلاً عن ممارسة الضغط من خلال الاعتمادات المالية المخصصة للدفاع.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.