لم يتعلّموا شيئًا ولم ينسوا شيئًا

5

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

عند النظر إلى معظم القوى السياسية اللبنانية، يصعب عدم استحضار المقولة الشهيرة المنسوبة إلى السياسي والدبلوماسي الفرنسي شارل تاليران، في وصفه عودة أسرة البوربون إلى العرش الفرنسي عام 1815، بعد سقوط نابليون بونابرت: «لم يتعلّموا شيئًا ولم ينسوا شيئًا».

تختزل هذه المقولة واقع قوى سياسية اجتازت الحروب والأزمات من دون أن تتحرر من حسابات الماضي، أو أن تدفعها التجارب القاسية إلى مراجعة خياراتها وممارساتها واستخلاص العبر من إخفاقاتها.

فعلى مدى عقود، شهد لبنان حروبًا أهلية واحتلالات وتسويات إقليمية واغتيالات سياسية، فضلًا عن أزمات اقتصادية ومالية ومعيشية غير مسبوقة، وانهيارات أصابت مؤسسات الدولة وأضعفت ثقة المواطنين بها.

ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي، في محطات كثيرة، أسير الدائرة ذاتها، يعيد استحضار أوجاع الماضي والانقسامات بدلًا من مراجعة السياسات التي أسهمت في إيصال البلاد إلى هذا المأزق.

المشكلة ليست في تذكّر الماضي؛ فالأمم التي تنسى ماضيها المؤلم قد تقع في أخطائه مجددًا، بل تبدأ حين يتحول الماضي إلى سجن، والذاكرة إلى أداة سياسية، والخوف إلى وسيلة لتعبئة الجمهور وإبقائه أسير الاصطفافات.

عندها تُنتقى من الأحداث الوقائع التي تخدم سردية هذا الفريق أو ذاك، وتُغذّي مشاعر الحقد والكراهية لدى الأتباع، فيما تُغيَّب الحقائق التي تستوجب مراجعة المواقف والاعتراف بالأخطاء.

وهذه مفارقة الواقع اللبناني؛ إذ لم تستخلص قوى سياسية كثيرة الدروس من كلفة الحروب وويلاتها، ولا من هشاشة التسويات التي قامت على تقاسم النفوذ والمواقع بدلًا من إرساء دولة قوية ومؤسسات فاعلة.

كما لم تدرك حجم الأثمان التي دفعها اللبنانيون جرّاء تغليب المصالح الفئوية، ومصالح القوى الخارجية أحيانًا، على المصلحة الوطنية.

ولعل التجربة المريرة التي عاشها لبنان جرّاء حرب الإسناد وما سبقها، وما خلّفته من دمار طال مناطق عزيزة من الوطن وسقوط آلاف الشهداء والجرحى نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، فضلًا عن تداعياتها السياسية والاقتصادية العميقة، أعادت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، واحتكارها قراري الحرب والسلم، وترسيخ مرجعيتها في إدارة القضايا السيادية، وتحديد حدود التداخل بين المصلحة الوطنية والحسابات الإقليمية.

وفي هذا السياق، لا بد من الإقرار بأن شريحة واسعة من اللبنانيين لا تزال تنظر إلى المقاومة باعتبارها جزءًا من منظومة حماية لبنان والدفاع عنه، انطلاقًا من قناعاتها الوطنية وهواجسها الأمنية والسياسية.

غير أن مقاربة هذه المسألة الشائكة لا يجوز أن تتجاهل مخاوف أي مكوّن من مكوّنات المجتمع، أو أن تفرض رؤية أحادية على سائر اللبنانيين، ولا سيما حين يتعلق الأمر بزجّ البلاد في حروب مدمّرة لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.

بل ينبغي أن تنطلق من حوار وطني مسؤول يفضي إلى تفاهم حول استراتيجية دفاعية وطنية، ومرجعية واضحة وحصرية لقراري الحرب والسلم، بما يصون السيادة واستقلال القرار، ويحمي الأمن والاستقرار، ويكرّس دور الدولة ومؤسساتها الدستورية في إدارة شؤونها السيادية.

كما يشكّل الانقسام في الساحة المسيحية مظهرًا آخر لاستمرار الاصطفافات وأسر القوى السياسية بتراكمات الماضي وحساباته، وعجزها عن الانتقال إلى مقاربة أكثر انفتاحًا على متطلبات المرحلة.

فعلى الرغم من التحولات الجذرية في الإقليم وتداعياتها على مستقبل لبنان وموقع مكوّناته، وعلى الرغم من الأصوات المحذّرة من اختلال التوازن العددي والتمثيلي، في ظل التراجع الواضح للحضور المسيحي في الإدارات العامة والوظائف الرسمية والأسلاك العسكرية، لا تزال القوى السياسية المسيحية غارقة في صراعاتها الداخلية وحساباتها الشخصية والفئوية ورهاناتها الضيقة.

وبدلًا من الارتقاء إلى مستوى التحديات الوجودية والاستراتيجية، تستحضر هذه القوى خلافات الماضي وتعيد إنتاج انقساماتها، على حساب بناء موقف مسيحي موحّد ورؤية وطنية مشتركة تحمي الحضور المسيحي وتصون الشراكة الوطنية.

وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن إضعاف هذه الشراكة لا يخدم أيًّا من مكوّنات الوطن، وأن تعزيز الحضور المسيحي ودوره لا يكون بتكريس الانقسام، بل بالتفاهم والحوار وتغليب المصلحة الوطنية وصياغة رؤية تحمي التوازن بين اللبنانيين، وتدعم قيام دولة قوية تتّسع لجميع أبنائها وتكفل مشاركتهم المتكافئة في تقرير مستقبلها.

وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تدفع الحروب التي تعصف بالمنطقة والتحولات الإقليمية القوى السياسية إلى مراجعة جدّية لأدائها، لا يزال البعض أسير السجالات والحسابات الماضية، منشغلًا بتبادل الاتهامات حول ملف الكهرباء وتحديد المسؤوليات، وإعادة استحضار صفحات مؤلمة من تاريخنا، بما فيها محطات الاقتتال بين أبناء الجلدة الواحدة.

ولا يجني لبنان من إعادة فتح هذه الملفات، بهذه الطريقة، سوى المزيد من الانقسام وتعميق الجراح.

والأكثر إشكالية استمرار التنصّل من المسؤوليات وتبرير الإخفاقات وتحميل الآخرين وحدهم تبعات ما حصل، بدلًا من التحلّي بالشجاعة السياسية والأخلاقية للاعتراف بالأخطاء ومصارحة اللبنانيين بها.

فالمصالحة لا تعني إنكار الماضي أو التنكّر لحقائقه، كما أن التسامح وطيّ صفحة الخلافات لا يشكّلان ضعفًا أو تنازلًا، بل يعكسان نضجًا ووعيًا وحرصًا على عدم تكرار التجارب المؤلمة.

إن عبارة «لم يتعلّموا شيئًا» لا تكتمل دلالتها إلا بشطرها الآخر: «ولم ينسوا شيئًا».

فالمشكلة لا تكمن فقط في العجز عن استخلاص العبر، بل أيضًا في الإصرار على ذاكرة انتقائية تستحضر ما يغذّي مخاوف الجمهور ويعيد إنتاج انقساماته ويبقيه أسير الاصطفافات ذاتها.

لقد تغيّر العالم وتبدّلت موازين القوى في المنطقة، وتراجعت أفكار وصعدت أخرى، وأعادت تحولات كبرى رسم المشهد السياسي. ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي في كثير من الأحيان كأن شيئًا لم يتغيّر، فيما بقيت أولويات اللبنانيين خارج حسابات القوى السياسية أو في ذيل سلّم اهتماماتها.

فالمواطن اللبناني، الذي يرزح تحت أعباء اجتماعية ومالية ومعيشية وصحية متزايدة ويقلق على مستقبل أبنائه، يتطلع إلى دولة تصون حقوقه وتؤمّن له الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة والكرامة.

ولم يعد يجد في استعادة صراعات الماضي وخطابات الانقسام ما يلامس همومه أو يجيب عن تطلعاته، بل بات ينفر من الحقد والعدائية المتبادلة بين القوى السياسية والحزبية.

ومن باب الموضوعية والإنصاف، فإن المسؤولية عن هذا الواقع ليست متساوية بين مختلف القوى الحزبية، بل تتفاوت تبعًا لأدوار كل منها وممارساتها.

لكن، بعيدًا عن المحاسبة والمناكفات، يكمن التحدي الحقيقي في إعادة بناء الوطن على أسس من الوحدة الوطنية والشراكة والتضامن، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الفئوية والسياسية.

وتبقى المشكلة البنيوية قائمة ما دامت الحياة السياسية عاجزة عن تحويل التجارب القاسية إلى قواعد جديدة للعمل العام، وما دامت المحاسبة تتراجع أمام الحماية المتبادلة، والمؤسسات رهينة التوازنات بدلًا من أن تكون مرجعًا يحتكم إليه الجميع.

إن الخروج من هذا المأزق لا يعني محو الذاكرة أو مطالبة اللبنانيين بالتخلي عن مخاوفهم المشروعة، بل تحرير السياسة من أسر الماضي: الانتقال من استحضار الجراح إلى فهم أسبابها، ومن توظيف الانقسامات إلى معالجة جذورها، ومن تبرير الفشل إلى تحمّل المسؤولية عنه.

فالتجارب لا تصبح دروسًا لمجرد أننا عشناها، بل عندما نمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائنا والاستعداد لتغيير ما ثبت فشله.

وليست المشكلة أن بعض القوى السياسية ما زالت تتذكر الماضي، بل أنها لم تنجح في تحويل ذاكرتها إلى وعي سياسي جديد.

وبين العجز عن استخلاص العبر والإصرار على استدعاء الهواجس القديمة، يبقى لبنان يدفع ثمن زمن سياسي يبدو، في كثير من الأحيان، وكأنه يرفض أن ينتهي.

فالأوطان لا تتقدم بمجرد مرور الزمن، ولا تتعافى بتبديل الوجوه والشعارات، بل تبدأ باستعادة مستقبلها عندما يتوقف أهل السياسة عن العيش في ماضيهم.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.