حرب عالمية من دون إعلان تُعيد تشكيل النظام الدولي سياسياً واقتصادياً
بقلم سحر ناصر
ماذا لو كانت الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل لكن دون إعلان رسمي، أو تحالفات عسكرية واضحة على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ وماذا لو كان العالم يعيش اليوم ظروفًا ونتائج مشابهة، من دون أن تتخذ المواجهة شكل الحرب المباشرة بين القوى الكبرى؟
قد تبدو هذه الفرضية صادمة، لكنها تستحق القراءة في ظل التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي. فالنزاعات المسلحة التي تدخلها الدول كطرف فاعل تتزايد، حيث سجّل معهد أوسلو لأبحاث السلام 65 نزاعًا مسلحًا عبر 35 بلدًا خلال العام الماضي، وهو أعلى عدد منذ بدء التسجيل عام 1946. يترافق ذلك مع ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى نحو 2.9 تريليون دولار بزيادة بلغت 41% خلال العقد 2016–2025 وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وخفض المساعدات الإنمائية. بالإضافة إلى ذلك، تتفاقم الضغوطات الاقتصادية مع توقّعات صندوق النقد الدولي بوصول التضخم العالمي إلى 4.7% خلال العام الحالي، وتشدد القيود على صادرات الموارد الاستراتيجية، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على الموارد، والنفوذ، والمضائق الجغرافية، وممرات الملاحة.
ويُعدّ انتقال الدول إلى اقتصاد تُمنح فيه الأولوية للتعبئة العسكرية وتوفير الموارد اللازمة للقتال، من أبرز سمات الحروب العالمية. فقد أعادت الحكومات خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، تنظيم الإنتاج والصناعة والإنفاق العام لتلبية الاحتياجات العسكرية، وخضعت قطاعات مدنية واسعة لضغوط التقنين ونقص الموارد.
اليوم تُعيد عدّة دول بينها ألمانيا وبريطانيا واليابان ترتيب أولوياتها المالية والصناعية استجابةً لتصاعد المخاطر الأمنية، حيث رفعت الحكومة الألمانية موازنة الدفاع الأساسية من 62.4 مليار يورو إلى 82.7 مليارًا في عام 2026، إضافة إلى 25.5 مليار يورو من الصندوق الخاص بالقوات المسلحة، لتمويل مشروعات التسليح وشراء الذخائر. وفي الاتجاه نفسه، أعلنت بريطانيا رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي ابتداءً من أبريل 2027، وخصصت 1.5 مليار جنيه إسترليني لإنشاء ستة مصانع على الأقل للذخائر والمواد المتفجرة والدافعة، بدورها خصصت اليابان نحو 633 مليون دولار أمريكي لمنظومة دفاع ساحلي تعتمد على وسائل غير مأهولة، ونحو 605 ملايين دولار أمريكي لتعزيز قاعدة الإنتاج الدفاعي.
ولا يعني ذلك أن العالم يشهد إعادة تسلح تمامًا لما حدث بعد عامَي 1918 و1945، لكنه يشير إلى أن التنافس أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة باستخدام القوة العسكرية أو التهديد بها. ففي الحرب العالمية الأولى، سعت القوى المتحاربة إلى تغيير الخريطة الأوروبية، وتعديل موازين القوى فيها، والسيطرة على مناطق استراتيجية. وكانت النتيجة تفكّك الأنظمة الإمبراطورية القديمة، وإعادة رسم الحدود السياسية، وظهور دول، وفرض ترتيبات دولية جديدة، كان من أبرزها تأسيس عصبة الأمم.
في الحرب العالمية الثانية، تداخلت المشاريع التوسّعية، وانتهت بإعادة توزيع القوة الدولية، وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وتراجع القوى الاستعمارية الأوروبية، وتأسيس الأمم المتحدة، وبروز المؤسسات المالية الدولية التي أسهمت في تشكيل النظام الاقتصادي لما بعد الحرب.
وعليه، لم تقتصر نتائج الحروب العالمية على تحديد المنتصر والمهزوم، بل أعادت صياغة العلاقات بين الدول، وأحدثت تحوّلات اقتصادية وسياسية ومؤسسية امتدت لعقود. اليوم، يشهد النظام الدولي بدوره تنافسًا متزايدًا على توزيع القوة، فالمنافسة الأميركية- الصينية تتجاوز المجال العسكري إلى التكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد، بينما أعادت الحرب الروسية الأوكرانية قضايا الأمن الأوروبي والردع العسكري إلى صدارة العلاقات الدولية. وفي الشرق الأوسط، أظهرت تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مدى تشابك التوازنات الإقليمية مع المصالح الاستراتيجية الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بأمن الخليج والطاقة والممرات البحرية.
إذا كانت الحروب العالمية السابقة قد أعادت توزيع القوة، واستنزفت الموارد، وغيّرت أولويات الدول، وأضعفت اقتصادات ومجتمعات، فإن المشهد اليوم يتغير بصورة متدرّجة ومتفاوتة عبر نزاعات متعدّدة ومترابطة. والفارق أن العالم قد لا يشهد نهاية حاسمة لهذه المواجهات، ولا مؤتمر سلام شاملًا، ولا نظامًا دوليًا جديدًا يولد من تسوية واحدة.
من المرجح ألّا تُشبه الحرب العالمية المقبلة المواجهتين السابقتين، في حربٍ تُعلَن بدايتها، وتنتهي بتوقيع اتفاق سلام بين محورين، وإنما هي مرحلة طويلة من الصراعات المتفرّقة التي تُعيد تشكيل النظام الدولي سياسيًا واقتصاديًا وربما بعض المناطق الجغرافية، ونحن نعيش تداعياتها قبل أن نتفق حتى على تسميتها.
سحر ناصر
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.