“الحزب” يعلّق سيادة لبنان على طاولة الإيرانيّين
بقلم أيمن جزيني
«أساس ميديا»
أخطر ما يواجه لبنان في هذه المرحلة هو حجم الحرب الإسرائيليّة واتّساع تداعياتها، ذلك أنّه يجد نفسه، في قلب هذه المواجهة، مطروحاً على طاولة تفاوض الآخرين ورهين “الحبس” الإيرانيّ بعد كلام الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، ومن دون أن يمتلك وحده قرار تحديد موقعه أو رسم شروط خروجه من الحرب.
المسألة لم تعد محصورة في موازين القوّة العسكريّة، بل باتت تتّصل، على نحو أكثر خطورة، بموازين القرار السياسيّ، وبالمرجعيّة التي تملك حقّ تقرير متى يحارب لبنان ومتى يفاوض، ومن يحدّد خياراته ويتحدّث باسمه عندما يصبح مصيره جزءاً من تفاوض إقليميّ ودوليّ يتجاوز حدوده وإرادته.
هكذا تكتسب مواقف الشيخ قاسم، في بيانه الأخير، ولا سيما ما أورده في البنود الثلاثة المتعلّقة بـ”المقاومة”، اتّفاق الإطار، والتفاهم الأميركيّ ـ الإيرانيّ، أهميّة تتجاوز حدود الردّ السياسيّ المباشر لتلامس جوهر المأزق اللبنانيّ الراهن.
هذه المواقف تطرح إشكاليّة سياسيّة واستراتيجيّة لا يمكن القفز فوقها: كيف يمكن لحزب أن يؤكّد تمسّكه بلبنانيّته السياسيّة، فيما تبدو مرجعيّته موصولة، عقيدةً وفكراً وممارسةً، بمسار ترسم طهران اتّجاهاته، وأن يتمسّك في الوقت نفسه بخيارات تتعارض مع المسار الذي تعتمده الدولة اللبنانيّة، وصولاً إلى التشكُّك بشرعيّته ونفي حقّها في تحديد شروط التفاوض ومآلاته؟
إسلام آباد: لبنان بين التّفاوض والانتظار
حين يصف قاسم التفاهم الإيرانيّ – الأميركيّ بأنّه “مصدر القوّة الوحيد المتاح” إلى جانب صمود “المقاومة”، ويعتبر أنّ مذكّرة التفاهم أثبتت فعّاليّتها بمجرّد تراجع مستوى العدوان على لبنان، فإنّه يقدّم قراءة سياسيّة تستحقّ المساءلة. فالتزامن بين إطلاق المذكّرة وتراجع مستوى الاعتداءات لا يكفي وحده لإثبات علاقة سببيّة، كما أنّ انخفاض وتيرة النار على بيروت والضاحية الجنوبيّة لا يعني انتهاء الحرب، ولا يضمن الانسحاب الإسرائيليّ من الجزء الوازن من الجنوب المُحتلّ أو استعادة لبنان كامل حقوقه.
لا أحد يعترض على أن يستفيد لبنان من أيّ تفاهم إقليميّ أو دوليّ يوقف القتل والدمار. لكنّ السؤال هو: لماذا يصبح التفاهم بين واشنطن وطهران مصدر القوّة الوحيد المتاح، فيما لا تحظى الدولة اللبنانيّة بالموقع نفسه في تصوّر الحلّ؟ هل المطلوب أن ينتظر لبنان ما تتوصّل إليه العاصمتان ليعرف مصيره، أم يكون طرفاً في صناعة التسوية؟الخطورة القائمة من هذا الكلام هي أن يتحوّل لبنان من صاحب قضيّة إلى استمراره كساحة تتأثّر بنتائج تفاوض لا يملك التحكّم بشروطه. فالتفاهم الإيرانيّ ـ الأميركيّ، مهما كانت أهميّته، يظلّ تفاهم دولتين لهما مصالحهما وحساباتهما، ولا يجوز أن يحلّ محلّ القرار اللبنانيّ أو أن يصبح بديلاً عنه.
اتّفاق الإطار: شرعيّة الدّولة ليست موضع مساومة
أمّا إعلان قاسم أن “لا شرعيّة لاتّفاق الإطار”، واعتباره مخالفاً للدستور و”الطائف” والقوانين وخطاب القسم والبيان الوزاريّ، فيطرح إشكاليّة تتجاوز الاعتراض على مضمون المسار التفاوضيّ. فمن حقّ أيّ قوّة سياسيّة، الاعتراض على أيّ صيغة تفاوضيّة، ومناقشة شروطها ومخاطرها ومدى قدرتها على حماية المصالح اللبنانيّة. لكنّ ثمّة فارقاً جوهريّاً بين رفض مضمون إطار تفاوضيّ وبين نزع الشرعيّة عن المسار الذي تتحرّك من خلاله الدولة.
لذلك وَجَبَ اللجوء إلى التمييز الذي أوضحه رئيس الحكومة نوّاف سلام: ما يجري الحديث عنه إطار توجيهيّ يحدّد مسار المفاوضات، وهدفها الوصول إلى اتّفاق، وليس اتّفاقيّة أو معاهدة مكتملة. وهذا التفصيل مهمّ لأنّ الحكم على نتائج تفاوض لم تكتمل بعدُ يختلف عن الحكم على اتّفاقية نهائيّة أُبرمت وأصبحت موضع تنفيذ.
المطلوب ليس اعتبار كلّ ما تتّخذه خاصع للمناقشة، بل الإقرار بأنّ الدولة هي المرجعيّة التي تفاوض باسم اللبنانيّين، وأنّ من حقّ الجميع مساءلتها ومناقشة خياراتها، لا إلغاء موقعها السياسيّ والدستوريّ. فكيف يمكن المطالبة بسيادة لبنان، ثمّ التشكيك في شرعيّة المسار الذي اختارته مؤسّساته لمعالجة قضيّة تمسّ أرضه ومستقبله؟
الأولويّة الإيرانيّة: أين تقع المصلحة اللّبنانيّة؟
تبلغ المفارقة ذروتها حين يقول قاسم إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة تضع وقف العدوان الإسرائيليّ على لبنان والانسحاب من أراضيه على رأس أولويّاتها، ويصف ذلك بأنّه تضحية عظيمة تستحقّ التقدير.
قد يكون هذا توصيفاً للموقف الإيرانيّ المعلن، لكنّ السؤال ليس ما إذا كانت طهران تضع لبنان ضمن أولويّاتها، بل لماذا يتقدّم الحديث عن أولويّاتها على الحديث عن الأولويّات اللبنانيّة نفسها؟
إيران دولة لها مصالحها وحساباتها، ومن الطبيعي أن تفاوض وفقاً لها. أمّا لبنان فليس ملزماً بأن يجعل من حسابات دولة أخرى تعريفاً لمصلحته الوطنيّة، مهما بلغت متانة التحالف أو عمق العلاقة.
هكذا يصبح الحديث عن “الفارسيّة” حديثاً عن مرجعيّة سياسيّة لا عن هويّة ثقافيّة أو قوميّة: عن خطاب تتقدّم فيه طهران بوصفها صاحبة المبادرة ومصدر القوّة والضمانة، فيما تظهر بيروت في موقع المتلقّي والمنتظِر. وهذا هو جوهر التراجع في اللبنانيّة السياسيّة: أن تصبح الأولويّة الوطنيّة مرتبطة بما تقرّره عاصمة أخرى، لا بما تقرّره الدولة ومؤسّساتها وفق مصالح مواطنيها.
انكشاف لبنان: عسكريّاً وسياسيّاً
الأكثر دلالة أنّ هذه المواقف تصدر فيما يواجه لبنان هجوماً إسرائيليّاً واسعاً، أعاد إلى الذاكرة الوطنيّة حجم الانكشاف الذي عرفته البلاد منذ اجتياح عام 1982، وإن اختلفت الظروف والسياقات. لقد انكشف لبنان عسكريّاً أمام آلة الحرب الإسرائيليّة، لكنّه ينكشف سياسيّاً أيضاً حين تظهر الدولة مطالَبة بتحمّل مسؤوليّة النتائج، من دون أن تكون صاحبة الكلمة الوحيدة في تحديد شروط الحرب والتفاوض والخروج منها.
إنّ أخطر ما في ازدواجيّة القرار أنّها تضعف موقع الدولة في اللحظة التي تحتاج فيها إلى أقصى درجات التماسك. فكيف يمكن للسلطة أن تفاوض باسم اللبنانيّين، فيما يعلن طرف سياسيّ أنّ الإطار الذي تتحرك من خلاله فاقد للشرعيّة؟ كيف يمكن توحيد الموقف الوطنيّ إذا كانت هناك مرجعيّتان، إحداهما تتحمّل المسؤوليّة الدستوريّة، والأخرى تحتفظ بحقّ تحديد الأولويّات والاعتراض على مسارات الدولة؟
من يتحدّث باسم لبنان؟
ليس منتظراً من “الحزب” أن يتخلّى عن تحالفاته، ولا من لبنان أن يرفض أيّ مساعدة دوليّة. المطلوب أن تكون هذه العلاقات في خدمة المصلحة اللبنانيّة، لا أن تصبح المصلحة اللبنانيّة جزءاً من حساباتها. فالسيادة لا تُقاس فقط بمواجهة الاحتلال، بل أيضاً بامتلاك القرار المستقلّ في الحرب والسلم والتفاوض، وبأن تكون الدولة المرجعيّة التي لا ينازعها أحد حقّ الكلام باسم اللبنانيّين.
لا تكمن المسألة في نجاح تفاهم إسلام آباد أو إخفاقه، ولا في قبول اتّفاق الإطار أو رفضه، بل في سؤال يسبق كلّ هذه التفاصيل: إذا كانت طهران تملك مسار التفاوض، و”الحزب” يملك قرار الاعتراض، والسلطة اللبنانيّة تتحمّل مسؤوليّة النتائج، فأين يكون لبنان في هذه المعادلة؟ ومن يملك، في نهاية المطاف، حقّ تقرير مصيره؟
أيمن جزيني
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.