جوزاف عون… رئيس غير تقليدي / 2
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
فالانتقاد حقّ مشروع في الحياة الديمقراطية، شرط أن يستند إلى وقائع وأسس صحيحة.
لكنّ النقد المسؤول يختلف عن المزايدة السياسية؛ إذ لا يكفي رفع سقف المطالب أو تحميل الآخرين مسؤولية الأزمات من دون تقديم بدائل واقعية وحلول قابلة للتنفيذ.
وتبدأ المزايدة عندما يصبح الانتقاد وسيلة لتسجيل النقاط السياسية بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى الإصلاح.
فمن يطالب بمعالجة الأزمات، عليه أن يطرح تصوّرات عملية تعالج ما يرى أنّ الرئيس لم يعالجه.
أمّا الاكتفاء بالانتقاد وكأنّ عون تسلّم بلدًا ينعم بالأمن والاستقرار والبحبوحة، فيتجاهل واقعًا ورثه مثقلًا بالخلافات السياسية والحروب التي تطال الجنوب والبقاع والضاحية، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والمالية المتردّية.
إنّ مقاربة الواقع بمعزل عن هذه الظروف لا تسهم في إنقاذ البلد، بل قد تضاعف الإحباط وتضلّل الرأي العام.
وليس المطلوب من اللبنانيين التخلّي عن حقّهم في الاعتراض، بل أن يقوم النقاش السياسي على الوقائع والاقتراحات العملية، لا على الشعبوية والسجالات العقيمة.
فلبنان يحتاج إلى تعاون جدّي بين مؤسساته وقواه السياسية، وإلى سلطة تتحمّل مسؤولياتها وتترجم تعهّداتها إلى إنجازات.
وبموازاة الانفتاح الداخلي، تبرز أهمية التحرّك الخارجي الذي اعتمده عون منذ تولّيه سدّة الرئاسة.
فقد أجرى زيارات أسهمت في تنشيط الحضور الدبلوماسي للبنان وكسر جانب من العزلة التي طالت علاقاته مع الدول الكبرى والشركاء الإقليميين، في مرحلة تراجعت فيها الثقة الدولية بالدولة اللبنانية على خلفية اختلال القرار السياسي.
ولا تقتصر أهمية هذه الزيارات على إعادة وصل ما انقطع، بل تشمل فتح المجال لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان ومؤسساته، وتعزيز التعاون مع الدول الصديقة والشقيقة، وتوفير ظروف ملائمة لدعم الإصلاح واستعادة دور الدولة وسيادتها.
فالحضور الخارجي الفاعل يشكّل رافعة لأي مسعى جادّ لإخراج لبنان من أزماته، شرط أن يقترن بمسار داخلي يعيد الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية، ويكرّس حصرية القرار الوطني، ويحوّل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف عون في ختام جولته في طرابلس أهمية تتجاوز الجانب الإنمائي.
فتأكيده أنّ «الانقسام لا يحمي أحدًا»، وأنّ «إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن»، يعبّر عن رؤية تعتبر أنّ قوة لبنان لا تُبنى على الانقسامات أو تغليب المصالح الفئوية.
كما أنّ حديثه عن انتهاء زمن الحرمان وإمكانات مرفأ طرابلس يضع المسؤولين أمام استحقاق الانتقال من تشخيص المشكلات إلى استثمار الإمكانات، ومن الوعود إلى تنفيذ المشاريع.
والدولة التي يتطلّع إليها اللبنانيون هي الدولة الحاضرة إلى جانبهم، التي تواكب شؤونهم وتصون حقوقهم وتؤمّن مقوّمات الحياة الكريمة، من كهرباء ومياه ورعاية صحية وسائر الخدمات الأساسية.
وهي الدولة التي تعتمد العدالة في الإنماء وتضمن تكافؤ الفرص بين المناطق، بعيدًا عن التمييز والتهميش.
والمطلوب أن تكون حاضرة في طرابلس، كما في الجنوب والضاحية وبعلبك والهرمل والقاع، وفي كل قرية ومدينة تشعر بأنّ نصيبها من الاهتمام أقلّ ممّا تستحق.
فالمواطن اللبناني، أينما كان، يريد أن يكون صوته مسموعًا وحقوقه مصونة، وأن يمنحه انتماؤه إلى وطنه حقّ الحصول على الخدمات والفرص نفسها التي يتمتّع بها سائر المواطنين.
إنّ تواصل رئيس الجمهورية مع الناس والاطّلاع عن قرب على حاجاتهم خطوتان إيجابيتان تستحقّان التقدير، لكنّ الأمل أن تشكّلا بداية فعلية لمسار التغيير والإصلاح، وأن تمتدّ آثارهما إلى مؤسسات الدولة وتنعكس تحسّنًا ملموسًا في حياة المواطنين.
ولعلّ المعنى الأعمق لعبارة «جوزاف عون… رئيس غير تقليدي» يتجلّى في حضوره إلى جانب المواطنين، ولا سيّما حين يكونون بأمسّ الحاجة إلى الدولة، وفي قدرته على تحويل هذا الحضور إلى نهج عمل مستدام يترجم الاهتمام إلى إنجازات، والوعود إلى نتائج، والثقة إلى شراكة فعلية بين الدولة ومواطنيها.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.