مصر واليمن: معضلة الدّفاع ومخاطر التّصعيد
بقلم أمين قمورية
«أساس ميديا»
يواجه القرار المصريّ، بإرسال قوّات إلى السعوديّة للمساعدة في مواجهة هجمات “أنصار الله” الحوثيّين، موجة من التساؤلات، ما انعكس على طبيعة واتّساع نطاق النقاشات بين النوّاب. المسألة ليست مجرّد استجابة لمتطلّبات التضامن العربيّ أو لاعتبارات الدفاع المشترك، بل تطرح معضلة استراتيجيّة تتّصل بمستقبل الأمن في البحر الأحمر، وموقع مصر في معادلات الإقليم، وحدود الانخراط العسكريّ في نزاعات يصعب التنبّؤ بمآلاتها.
تجد القاهرة نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تساهم في حماية المملكة من تهديدات تمسّ أمنها واستقرارها، من دون أن تتحوّل المشاركة المصريّة إلى عامل إضافيّ في توسيع الحرب اليمنيّة وفتح جبهة جديدة للصراع الإقليميّ؟
تنبع حساسيّة القرار من تداخل ثلاثة مستويات من الأمن القوميّ المصريّ:
1- أمن السعوديّة، الذي يرتبط باستقرار الخليج وبمصالح اقتصاديّة واستراتيجيّة مصريّة واسعة.
2- أمن البحر الأحمر وباب المندب، بوصفهما امتداداً جغرافيّاً وأمنيّاً للمجال الحيويّ المصريّ، والطريق الذي تمرّ عبره حركة الملاحة المتّجهة إلى قناة السويس.
3- تداعيات المواجهة الإقليميّة الأوسع، حيث يمكن لأيّ تصعيد في اليمن أن يتقاطع مع حسابات إيران والقوى الدوليّة والإقليميّة، بما يجعل الفصل بين التدخّل المحدود والانخراط في مواجهة مفتوحة أكثر صعوبة.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى المشاركة المصريّة من منظور التضامن مع الرياض وحده، كما لا يمكن اختزال التحفّظ في الرغبة في تجنّب التكاليف العسكريّة. فالسعوديّة تواجه تهديدات تستدعي البحث عن ترتيبات دفاعيّة أكثر فاعليّة، وقد يشكّل الدعم المصريّ رسالة ردع تعكس أنّ أمن المملكة ليس شأناً منفصلاً عن الأمن العربيّ. لكنّ السؤال المقابل هو ما إذا كانت مشاركة مصريّة مباشرة ستؤدّي بالضرورة إلى تعزيز الردع، أم قد تدفع الحوثيّين إلى توسيع دائرة الاستهداف، وتضع القاهرة أمام التزامات أمنيّة تتجاوز المهمّة التي دخلت من أجلها.
التّمييز بين أشكال التّدخّل وحدوده
هنا تبرز ضرورة التمييز بين أشكال التدخّل وحدوده. فالمشاركة في الدفاع عن الأراضي السعوديّة، أو تقديم الدعم الفنّيّ والاستخباراتيّ، أو المساهمة في حماية الملاحة، ليست بالضرورة معادلة واحدة مع الانخراط في عمليّات عسكريّة داخل اليمن. لكلّ من هذه الخيارات حساباته ومخاطره وتداعياته السياسيّة. كما أنّ إعلان الطابع الدفاعيّ لأيّ مهمّة لا يكفي وحده لضمان بقائها ضمن حدودها، ما لم تكن أهدافها ومدّتها وقواعد الاشتباك فيها واضحة، وما لم يوجد تصوّر سياسيّ لما ينبغي أن يحدث بعد انتهاء العمليّات.
تجربة التّدخّل عام 1962
لا تبدو صحيحة المقارنةُ بين القرار المصريّ والتدخّل العسكريّ الذي أقدم عليه جمال عبد الناصر في اليمن عام 1962 إذا أُخذت بوصفها تطابقاً بين تجربتين. فالفارق جوهريّ في طبيعة السياق والأهداف: تدخّل عبد الناصر جاء في خضمّ صراع داخليّ على شكل النظام السياسيّ في اليمن، وفي إطار مواجهة إقليميّة بين مصر والجمهورية اليمنيّة الناشئة من جهة، والقوى الملكيّة المدعومة من السعوديّة من جهة أخرى. أمّا التحرّك المصريّ المحتمل اليوم فينطلق من اعتبارات الدفاع عن الأراضي السعوديّة ومواجهة الهجمات الحوثيّة لا من التدخّل في الصراع على السلطة داخل اليمن أو فرض نظام سياسيّ بعينه.
لكنّ اختلاف السياق لا يلغي أهميّة الدروس التاريخيّة. فالمشكلة ليست في افتراض أنّ مصر تعيد تجربة عبد الناصر، بل في إدراك أنّ اليمن، بما يتّسم به من تعقيدات داخليّة وتشابك في التدخّلات الخارجيّة، قد يحوّل مهمّة عسكريّة محدودة الأهداف إلى التزام أوسع يصعب التحكّم في مساره ونهايته.في المقابل، لا يخلو التحفّظ المصريّ من إشكاليّاته. فعدم المشاركة في أيّ جهد دفاعيّ قد يثير تساؤلات حول قدرة القاهرة على مواكبة التحوّلات الأمنيّة في الخليج والبحر الأحمر، وحول طبيعة التزاماتها تجاه شريك استراتيجيّ بحجم السعوديّة. كما أنّ ترك التهديدات البحريّة تتفاقم من دون مقاربة جماعيّة قد ينعكس سلباً على المصالح المصريّة نفسها. فاستقرار البحر الأحمر ليس قضيّة جغرافيّة بعيدة عن القاهرة، بل يرتبط مباشرة بحركة التجارة العالميّة وإيرادات قناة السويس وكلفة النقل والطاقة، فضلاً عن موقع مصر في التوازنات الإقليميّة.
من هنا، فإنّ التحدّي المصريّ لا يكمن في الاختيار بين التضامن مع السعوديّة والحرص على عدم التصعيد، بل في البحث عن صيغة تجمع بين حماية المملكة وتقليص احتمالات اتّساع الحرب.
لا بديل عن الحلّ السّياسيّ
يفتح ذلك الباب أمام المسار الدبلوماسيّ بوصفه جزءاً من معادلة الأمن، لا بديلاً عن مقتضيات الدفاع. تستطيع القاهرة، بالتنسيق مع الرياض وبالتواصل مع الأطراف اليمنيّة والإقليميّة المعنيّة، الدفع نحو وقف الهجمات على الأراضي السعوديّة والمنشآت المدنيّة، وإحياء مسار سياسيّ يمنيّ يعالج جذور النزاع، ويحول دون استخدام باب المندب أداةً للضغط في المواجهات الإقليميّة. غير أنّ نجاح هذا المسار يظلّ مشروطاً بوجود استعداد لدى الأطراف المعنيّة لتقديم تنازلات متبادلة، وبإدراك أنّ استمرار التهديدات الأمنيّة يقوّض فرص التسوية، مثلما أنّ توسيع العمليّات العسكريّة قد يرفع كلفتها ويزيد تعقيدها.
في هذا السياق، يمكن لمصر أن تجمع بين دعم أمن السعوديّة والدعوة إلى تسوية سياسيّة، من دون أن يعني أحد المسارين بالضرورة التخلّي عن الآخر.
تبقى المخاطرة الكبرى في أن يتحوّل البحر الأحمر من ممرّ تجاريّ حيويّ إلى جبهة إضافيّة في صراع إقليميّ متعدّد الأطراف. فكلّما اتّسعت دائرة المواجهة، ازدادت احتمالات استهداف الملاحة والمنشآت الحيويّة، وارتفعت كلفة التأمين والنقل، وتفاقمت الضغوط على الاقتصادات المعنيّة. ومصر، بحكم ارتباط أمنها البحريّ بقناة السويس وباب المندب، ليست بمنأى عن هذه التداعيات، سواء شاركت عسكريّاً أم اكتفت بأدوار سياسيّة وأمنيّة أخرى.
لهذا فإنّ جوهر المعضلة المصريّة ليس في إعلان الاستعداد للدفاع عن السعوديّة أو التحفّظ عن إرسال القوّات، بل في تحديد الغاية الاستراتيجيّة من أيّ خطوة، وحدودها، والنتائج التي يُراد تحقيقها من خلالها. فالدعم العسكريّ قد يعزّز الردع إذا ظلّ محدّداً وواضح الأهداف، لكنّه قد يفاقم المخاطر إذا تحوّل إلى جزء من مواجهة مفتوحة بلا أفق سياسيّ. والدبلوماسية قد تتيح مخرجاً من التصعيد، لكنّها لن تكون كافية ما لم تقترن بترتيبات أمنيّة تعالج التهديدات الفعليّة.
بين هذين المسارين، تواجه القاهرة اختباراً يتجاوز قرار إرسال القوّات إلى سؤال أوسع عن الدور الذي تريد أن تؤدّيه في الإقليم، ولا سيما في القضيّة الفلسطينيّة: هل تكتفي بالمساهمة في احتواء التهديدات المباشرة، أم تسعى إلى بلورة مقاربة تربط أمن السعودية بوحدة اليمن واستقرار البحر الأحمر؟
إنّ الإجابة لا تتوقّف على الخيار العسكريّ وحده، بل على قدرة مصر وشركائها على منع تحوّل الدفاع عن الأمن إلى مدخل لمواجهة أوسع، وعلى تحويل الضغوط الراهنة إلى فرصة لبناء تفاهمات إقليميّة أكثر استدامة.
أمين قمورية
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.