قضية سلامة: للمودعين الحق في معرفة حقيقة الحسابات

21

بقلم انطوان منسى

رئيس تجمع رجال الأعمال اللبنانيين

حين تتحرّك مليارات الدولارات في الظل، فيما يُحرم المودعون من أموالهم، لا يعود الصمت مقبولاً. الاتهام وحده لا يكفي، لكن الغموض لا يمكن أن يكون جواباً أيضاً. لا بدّ من إثبات الوقائع، وتتبع العمليات، والتحقق من مصدر الأموال، وتحديد المستفيدين منها وفهم الغاية من استخدامها. عندها فقط تستطيع العدالة أن تميّز بين مخالفة ثابتة ومجرّد شبهة.

في الملفات التي تتناول رياض سلامة، الحاكم السابق لمصرف لبنان، يبقى سؤال أساسي مطروحاً: ما التحقيق المالي المستقل والشامل الذي أُجري بشأن هذه العمليات، وما الذي يعرفه الجمهور اليوم عن نتائجه؟ لا تسمح المعلومات المتاحة بتحديد ما إذا كانت جميع العمليات المعنية قد خضعت لمراجعة خبراء، ولا الاطلاع على نتائجها. لذلك، من غير الدقيق الجزم بأن أي خبرة لم تُجرَ. لكن من المشروع السؤال عن المنهجية المعتمدة، والحسابات والفترات التي شملها التدقيق، وما إذا كان قد تناول مجمل حركة الأموال اللازمة لكشف الحقيقة.

عندما يتعلّق الملف بحركة مالية معقّدة، يمكن لفحص الحسابات والعقود والتحويلات أن يساعد القضاة في فهم الوقائع. فالخبرة المحاسبية أو المالية لا تحكم بالإدانة، بل تقدّم معطيات تقنية ينبغي أن تكون قابلة للفحص والمناقشة، مع احترام حقوق الدفاع.

يؤكد السيد سلامة براءته، ويقول إن الأموال المشار إليها مصدرها ثروته الخاصة. وينبغي التحقق من هذا الموقف بالاستناد إلى المستندات، كما ينبغي إخضاع الاتهامات للتحقق نفسه. ما مصدر الأموال المعنية؟ عبر أي حسابات مرّت؟ ومن استفاد منها في نهاية المطاف؟ هل تؤيد المستندات المتاحة رواية المعني بالأمر أم تناقضها؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا من خلال تحقيق دقيق.

حتى اليوم، تتقاطع الاتهامات وردود الدفاع والمعلومات المنشورة، من دون أن تتيح للجمهور دائماً فهماً واضحاً للعمليات التي جرى التحقق منها والمستندات التي تستند إليها نتائج التحقيق. هذا الغموض لا يثبت إدانة السيد سلامة ولا براءته، لكنه يزيد إحباط المودعين الذين ينتظرون منذ وقت طويل حقيقة واضحة وأجوبة عملية.

وبالنسبة إليهم، ليست هذه المطالبة أمراً نظرياً. فخلف كل حساب مجمّد سنوات من الادخار، ومشاريع أُجهضت، وعائلات اضطرت إلى التخلي عن احتياجاتها، ومواطنون لم يعودوا يعرفون بمن يثقون. ويشعر كثيرون بأن المسؤولين يتبادلون الاتهامات فيما تبقى أموالهم بعيدة عن متناولهم. هم لا يطالبون بإدانة مسبقة، بل بإثبات الوقائع، وفحص المسؤوليات، وألّا تُهمّش معاناتهم.

إن احترام قرينة البراءة لا يعني وقف التحقيق. والمطالبة بتحقيق جدي لا تعني استباق نتائجه. المطلوب فحص العمليات، وتتبع الأموال، والاستماع إلى جميع المعنيين، من دون حصر المسؤولية باسم واحد إذا أظهرت الوقائع مسؤوليات أخرى.

في أزمة حطّمت الثقة، ينبغي للعدالة أن توضّح، ضمن حدود سرية التحقيق، مراحل عملها والأسس التي تستند إليها. وعلى المودعين والجمعيات والمؤسسات أن يطالبوا بتحقيق مالي شامل ومستقل ومفهوم، وبفحص الحسابات، والحفاظ على المستندات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان.

ما دامت الحقيقة المالية غامضة، يبقى المودعون وحدهم في مواجهة خسائرهم. لقد حان الوقت لتحويل الغضب إلى مطلب جماعي: لا يجوز مواصلة تأجيل الشفافية والعدالة واستعادة الحقوق. فلا يمكن لأي بلد أن يعيد بناء نفسه على حسابات لا يفهمها أحد.

انطوان منسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.