حين يهدّد القانون حرية الصحافة، تهتزّ أركان الديمقراطية / 2

6

بقلم وديع الخازن

وزير سابق وعميد المجلس العام الماروني

ومن هذا المنطلق، أتوجّه بكلمة صريحة ومسؤولة إلى المسؤولين في الدولة، وفي مقدّمهم فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.

فخامة الرئيس،

يمرّ لبنان بمرحلة مصيرية يحتاج فيها قبل أي شيء إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة ومؤسساتها. وهذه الثقة لا تُبنى بتقييد الحريات، بل بحمايتها. ولا تستعيد المؤسسات هيبتها بإسكات الأصوات الناقدة، بل بإثبات قدرتها على تقبّل النقد والمساءلة.

وتقع على عاتقكم مسؤولية تاريخية في أن تضمنوا ألا يتحوّل إصلاح التشريع الإعلامي إلى تراجع في المسار الديمقراطي.

ولا يزال الوقت متاحاً لتصحيح المواد التي أثارت، بحق، مخاوف الصحافيين والإعلاميين ورجال القانون والمدافعين عن الحريات العامة. ولا يزال بالإمكان أن يتحول القانون المنشود من أداة لتنظيم القطاع الإعلامي إلى تشريع متوازن يحمي المهنة ويحفظ حرية الصحافة في آنٍ واحد.

وعلى مجلس النواب أن يصغي بكل مسؤولية إلى الهواجس التي يعبّر عنها أهل الصحافة والإعلام والقانون، لأن الحوار حول التشريع ليس علامة ضعف، بل دليل صحة ديمقراطية. والتشريع الذي يولد من الحوار والتوافق يكون أكثر قدرة على الصمود والاستمرار من تشريع يُفرض من فوق من دون نقاش كافٍ.

علينا أن ندرك حقيقة لا تحتمل التأويل: عندما يبدأ الصحافي بممارسة الرقابة الذاتية خوفاً من العقوبة الجزائية، تكون حرية الصحافة قد بدأت فعلياً بالتراجع.

وعندما يصمت الصحافيون خوفاً من القانون، لا تكون الصحافة وحدها هي التي خسرت حريتها، بل يكون المجتمع بأسره قد خسر حقه في المعرفة، وحقه في السؤال، وحقه في مساءلة السلطة.

لبنان يحتاج إلى صحافة حرة، تعددية، شجاعة ومسؤولة؛ إلى صحافيين لا يترددون في التحقيق في الفساد، وكشف التجاوزات، ومساءلة أصحاب القرار، وتسليط الضوء على القضايا التي قد يحاول البعض إبقاءها في الظل، وإيصال صوت من لا صوت لهم.

لذلك، لا بد من الفصل بوضوح بين هيبة الدولة ومنطق الاستبداد، وبين تنظيم الإعلام ومنطق السيطرة، وبين المسؤولية المهنية ومنطق الترهيب.

فحرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه السلطة، بل حق دستوري وأخلاقي، ومسؤولية وطنية، وركيزة أساسية من ركائز الجمهورية ودولة القانون.

حماية هذه الحرية هي حماية للديمقراطية.

وتقييدها، في المقابل، هو إضعاف لدولة القانون ومؤسساتها.

ولهذا يجب أن تُقال الكلمة بوضوح وحزم: إن القانون الذي يُفترض أن يحمي الإعلام لا يجوز أن يتحول إلى قانون يكمّم الصحافة أو يقيّدها أو يكبّلها.

لبنان يستحق تشريعاً أرقى من ذلك؛ تشريعاً يصون الحقيقة، ويكرّس المسؤولية، ويحمي الحرية، من دون أن يجعل واحدة منها ضحية للأخرى.

فحرية الصحافة يجب أن تبقى خطاً أحمر.

ليس دفاعاً عن الصحافيين وحدهم، بل دفاعاً عن كل مواطن لبناني من حقه أن يعرف، وأن يفهم، وأن يسأل، وأن يناقش، وأن يعبّر عن رأيه بحرية.

إن الدفاع عن حرية الصحافة اليوم ليس دفاعاً عن مهنة فحسب، بل هو دفاع عن صورة لبنان التي نريدها، وعن الجمهورية التي نطمح إلى بنائها، وعن لبنان الديمقراطي الذي نريد أن نتركه للأجيال المقبلة.

ومن يصون حرية الكلمة اليوم، إنما يصون لبنان الغد.

وديع الخازن

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.