طرابلس في سلاسل الإمداد: ممرّات وخرائط جديدة
بقلم جوزفين ديب
«أساس ميديا»
من مرفأي بيروت وطرابلس إلى خطوط الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، تتحدّد قيمة الموقع اللبنانيّ بقدرته على الارتباط بالشبكات الإقليميّة، وبما ستفرضه التحوّلات السياسيّة على خريطة المنطقة.
لم تعد المرافئ في لبنان مجرّد نقاط لوصول السفن وتفريغ البضائع. في صراع سلاسل الإمداد، تتحوّل المرافئ والسكك والطرق وخطوط الكهرباء والإنترنت إلى أدوات تحدّد من يعبر، ومن يستفيد، ومن يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة بين الشرق والغرب. في هذا السياق، تكتسب طرابلس أهمّيّة تتجاوز حجم نشاط مرفأها الحاليّ. فهي تقع على الساحل الشماليّ للبنان، قرب سوريا وتركيا، وفي مواجهة مسارات إقليميّة تسعى إلى وصل آسيا بأوروبا.
المفارقة أنّ طرابلس، التي تسجّل منطقةُ مدينتها الكبرى أعلى معدّلات الفقر في لبنان، تملك مرفأ قابلاً للتوسّع ومنطقة اقتصاديّة خاصّة، فيما يقع مطار القليعات وسكّة الحديد ضمن إمكانات الربط التي يمكن أن تغيّر دور منطقة الشمال. المدينة التي عاشت عقوداً على هامش الاستثمار تملك جغرافيا ومرافق تتيح لها أن تصبح مركزاً للخدمات اللوجستيّة والتخزين والتجارة، إذا أُديرت هذه الأصول ضمن خطّة واحدة.
الممرّات تتنافس على بوّابة أوروبا
في 6 تشرين الأوّل 2026، وقّعت إدارتا مرفأي بيروت وطرابلس في نيودلهي الإعلان المشترك لإطلاق “نادي مرافئ” الممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. جاء التوقيع ضمن ورشة جمعت مرافئ وشركات شحن وجهات معنيّة بالجمارك واللوجستيّات والطاقة والبيانات، وأطلقت مساراً للتعاون العمليّ بين هذه الجهات.
النادي هو منصّة طوعيّة مفتوحة لا تلزم لبنان بأن يكون طرفاً في الاتّفاق الحكوميّ الأصليّ للممرّ.
تتركّز أعماله على سلاسل الإمداد ذات الأولويّة، وتسهيل التجارة والإجراءات، وربط أنظمة المعلومات، وممرّات الطاقة المنخفضة الانبعاثات. واتُّفق على تطوير مشاريع تجريبيّة في هذه المجالات وإعداد خريطة طريق مشتركة لعامَي 2027 و2028.
أهمّيّة الخطوة أنّها تمنح مرفأَي بيروت وطرابلس حضوراً في النقاشات الفنّيّة والتجاريّة، وفرصة لبناء شراكات ومعايير تشغيل مشتركة. لكنّها لا تضمن مرور خط الممرّ في لبنان، ولا تعني تلقائيّاً استثمارات أو حركة بضائع إضافيّة.
الممرّ المقترح يصل الهند بالخليج، ثمّ يعبر برّاً عبر السعوديّة والأردن إلى إسرائيل، قبل الانتقال بحراً إلى أوروبا. فيما تعمل اليونان على تعزيز موقع مرفأ بيريوس بوصفه نقطة عبور للبضائع القادمة من آسيا نحو أوروبا، مستفيدةً من موقعه البحريّ واتّصاله بشبكات النقل البرّية والسكك الحديديّة.
تتحدّث المقاربة اليونانيّة عن جسور للطاقة وبنى تحتية مشتركة تصل شرق المتوسّط بأوروبا، وعن دور محوريّ للبنان في هذه البنية. هذا يضع لبنان أمام فرصة سياسيّة واقتصاديّة، لكنّه لا يحدّد بعد خطّاً تنفيذيّاً يصل مرفأ طرابلس بتلك الشبكات.
أمّا تركيا فتدفع بمسار “طريق التنمية” من ميناء الفاو في العراق، عبر الطرق والسكك إلى أراضيها، ومنها إلى أوروبا، وتستند كذلك إلى موقعها على “الممرّ الأوسط” الآتي من آسيا الوسطى والقوقاز. هي مسارات متفاوتة في مراحلها، لكنّها تعكس تنافساً على موقع العبور والاستثمار والعائدات.
لا تدور المنافسة بين خطّ يونانيّ وآخر تركيّ على محور واحد فقط. تسعى اليونان إلى تثبيت موقعها الأوروبيّ في شبكة شرق المتوسّط، فيما تعمل تركيا على ألّا تُستبعد من طرق التجارة العابرة للقارّات. وبينهما، يمكن للبنان أن يكون ممرّاً أو محطّة تغذية أو أن يُترك خارج الحسابات.
تعدّد الممرّات يفرض نفسه في التنافس السياسيّ عليها. والمسار السياسيّ في حرب النفوذ يفرض أن يتحدّد موقع لبنان في شبكات العبور التي تتنافس على المرافئ والاستثمارات والطرق البرّيّة. فتعدّد المسارات قد يتيح للبنان التعامل مع أكثر من شبكة، شرط أن يبني خياراته على مصلحة اقتصاديّة واضحة، لا على اصطفاف سياسيّ يضيّق هامش حركته.
أمّا جيوسياسيّاً فالسؤال ليس أيّ مرفأ يربح وحده، بل من يملك شبكة متّصلة تستطيع استقبال البضائع وتخزينها ونقلها إلى أسواقها، ومن يحدّد شروط العبور والربط.
طرابلس وبيروت أمام خريطة واحدة أم مسارين؟
لكي تدخل طرابلس سلاسل الإمداد، لا يكفي تطوير رصيف المرفأ أو زيادة قدرة محطّة الحاويات. المطلوب وصل المرفأ بالمنطقة الاقتصاديّة والمطار والسكك والطرق، وتوفير الكهرباء والاتّصالات والتخليص الجمركيّ، ثمّ بناء روابط قابلة للعمل مع الأسواق والحدود. ويمكن أن يشكّل الربط الكهربائيّ والغازيّ عبر سوريا جزءاً من شبكة أوسع، كما تُظهر المقترحات المطروحة لقطاع الطاقة اللبنانيّ، لكنّ هذا لا يزال مشروعاً قيد التفاوض وليس كافياً وحده من أجل قيام ممرّ متكامل.
أمّا مرفأي بيروت وطرابلس فتقول مصادر دبلوماسيّة اقتصاديّة إنّه لا يفترض أن يكون أحدهما بديلاً من الآخر. فوجود بوّابتين على الساحل يمنح لبنان قدرة على توزيع الحركة التجاريّة، وخدمة أسواق ومناطق خلفيّة مختلفة، وخلق بدائل عند تعطّل أحد المسارات. وهذه هي القيمة الجيوسياسيّة للمرفأين معاً: أن يشكّلا شبكة لبنانيّة واحدة، لا نقطتين تستقطبهما مشاريع إقليميّة منفصلة.
عليه، فإنّ المسألة الأمنيّة حاضرة في قلب هذه الحسابات. فالحرب واضطراب الممرّات يدفعان الدول والشركات إلى تنويع طرق الإمداد، ويمنحان المواقع القريبة من خطوط التجارة قيمة إضافيّة.
من هنا، لا تُقرأ النزاعات من أسبابها المعلنة وحدها. فالموانئ والطاقة والاتّصال والنفوذ على المعابر تدخل أيضاً في تنافس القوى على شكل المنطقة. وبالتالي، فإنّ الاقتصاد يفسّر وجهاً من وجوه الحرب، وكلّ مشروع بنية تحتيّة هو مقدّمة حتميّة لتقاسم نفوذ في مكان ما.
انطلاقاً من هذا المشهد، تتحدّث الكواليس الدبلوماسيّة عن احتمال أن تفرض التحوّلات السياسيّة خرائط جديدة على المنطقة. فإذا نشأت على الساحل السوريّ ترتيبات نفوذ مختلفة، فقد تتّجه طرابلس وعكّار إلى شبكة شماليّة مرتبطة بسوريا وتركيا، بينما يسلك مرفأ بيروت مساراً آخر نحو شبكة شرق المتوسّط واليونان.
لبنان استفاد تاريخيّاً من التجارة البحريّة، وما يزال قادراً على ترسيخ هذا الدور عبر مرفأَي بيروت وطرابلس، من دون الانغماس في حرب الممرّات. إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى سياسة تربط المرفأين والتكامل بينهما، وتمنح طرابلس حصّة فعليّة من الاستثمار والعمل. فالجغرافيا تمنح لبنان أكثر من منفذ. أمّا إدارة هذه المنافذ كشبكة وطنيّة واحدة فتحدّد ما إذا كان لبنان سيصبح شريكاً في سلاسل الإمداد، أو مجرّد مساحة تتقاطع فوقها خرائط الآخرين.
جوزفين ديب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.