لبنان يدفع ثمن أزمات لم يصنعها…
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
في هذا الوطن المنهك، لا تحتاج الأزمة الاقتصادية إلى أن تبدأ من بيروت.
يكفي أن تضطرب حركة الملاحة في ممر بحري بعيد، أو أن ترتفع أسعار النفط في الأسواق العالمية، حتى تجد تداعياتها طريقها سريعًا إلى لبنان، فتنعكس ارتفاعًا في أسعار السلع، وزيادةً في كلفة النقل والإنتاج والخدمات، وفاتورةً جديدة يدفعها المواطن اللبناني من جيبه.
هذه ليست مبالغة، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتأمين حاجاته.
فلبنان يستورد نسبة كبيرة من غذائه وطاقته ودوائه ومواده الأولية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة التجارة العالمية يمكن أن يجد طريقه سريعًا إلى السوق اللبنانية.
من هنا، لا يجوز التعامل مع الاضطرابات التي تشهدها طرق التجارة والطاقة العالمية باعتبارها أحداثًا بعيدة لا علاقة للبنان بها.
فمضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لتجارة الطاقة، ومضيق باب المندب، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من طرق التجارة بين الشرق والغرب، ليسا مجرد نقطتين على الخريطة. وأي اضطراب في الملاحة عبرهما يمكن أن يرفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين، ويدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها وسلوك طرق أطول وأكثر كلفة.
وقد لا تصل هذه الزيادة إلى المستهلك اللبناني بصورة مباشرة أو فورية، لكنها تنتقل عبر سلسلة من الكلف تبدأ من النقل والطاقة والتأمين، وتنتهي عند المستورد والتاجر والمستهلك.
وعندما تتراكم هذه الزيادات في اقتصاد يعاني أصلًا من هشاشة مالية واجتماعية، يصبح أثرها أكثر قسوة على الناس.
لكن المشكلة لا تكمن في الكلفة الحقيقية وحدها، إذ قد يعمد بعض المستوردين والتجار إلى استغلال الأزمات لرفع الأسعار بما يتجاوز الزيادة الفعلية في الكلفة، وتكديس الأرباح على حساب وجع الناس ومعاناتهم.
وهنا تتجلى مسؤولية الدولة، التي لا ينبغي أن تنتظر ارتفاع الأسعار ثم تتدخل، بل أن تعتمد رقابة استباقية وحازمة تمنع الاحتكار والتلاعب، وتراقب حركة الأسواق وهوامش الأرباح، وتتأكد من أن أي زيادة يتحملها المواطن تستند إلى أسباب اقتصادية حقيقية ومبررة، لا إلى استغلال الأزمات.
المواطن اللبناني أنهكته سنوات الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي منذ عام 2019، ولم يستعد بعد قدرته الشرائية، ويجد نفسه اليوم أمام احتمال موجة جديدة من الغلاء. وأي ارتفاع إضافي يعني عبئًا جديدًا على عائلات باتت تكافح لتأمين أبسط احتياجاتها.
وإذا كان لبنان يريد أن يكون أكثر قدرة على مواجهة هذه الصدمات، فعليه دعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار في القطاعات المنتجة، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات.
فالانفتاح الاقتصادي لا يعني تعزيز الاستهلاك والاستيراد فقط، بل يجب أن يرتكز بصورة أكبر على الإنتاج المحلي وتنمية الصادرات.
وهنا تبرز أهمية الأمن الغذائي. فالزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي أو مصدر دخل للمزارعين، بل عنصر أساسي في قدرة لبنان على الصمود عندما تضطرب طرق التجارة أو ترتفع كلفة الاستيراد.
ولا يعني ذلك أن ينتج لبنان كل حاجاته الغذائية، فهذا غير واقعي، بل أن يمتلك قاعدة إنتاج زراعي وغذائي قادرة على تأمين جزء مهم من احتياجاته الأساسية وتخفيف هشاشة السوق أمام الصدمات الخارجية.
لكن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي. فالمنتج اللبناني لن يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية لمجرد أنه يحمل اسم لبنان، بل عليه أن يكون قادرًا على المنافسة والالتزام بالمعايير الصحية والبيئية ومتطلبات السلامة الغذائية.
والحرص على جودة الإنتاج والاستخدام الآمن والمسؤول للمبيدات والأسمدة، وإجراء الفحوص المخبرية الدقيقة، وصولًا إلى التعبئة والتوضيب وفق المعايير المطلوبة، واعتماد نظام واضح وفعّال لتتبّع المنتج.
وهنا تقع مسؤولية مشتركة على عاتق الدولة والمزارع والمنتج والمصدّر، فالسمعة الزراعية لا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل هي حصيلة سنوات من العمل والالتزام، لكنها قد تتعرض لضرر كبير نتيجة شحنة واحدة لا تستوفي المعايير المطلوبة.
وفي هذا الإطار، تبرز أيضًا صناعة النبيذ والعرق والبيرة اللبنانية بوصفها من الصناعات التي تجمع بين التراث والإنتاج، وتشكل جزءًا مهمًا من الاقتصاد الوطني، لما توفره من فرص عمل، ولارتباطها بالزراعة والصناعات والخدمات المرتبطة بها، فضلًا عن مساهمتها في تعزيز حضور المنتج اللبناني في الأسواق الخارجية.
وقد اكتسب النبيذ اللبناني سمعة دولية مرموقة تعكس جودة المنتج اللبناني وقدرته على المنافسة، وتُوّج هذا الحضور بتصنيف زحلة مدينةً عالميةً للكرمة والنبيذ.
والأمر نفسه ينطبق على الصناعة الدوائية، إذ يمتلك لبنان مصانع وخبرات وكفاءات عالية تتيح له تلبية جزء من حاجات السوق المحلي، بما يخفف الاعتماد على الواردات ويعزز الأمن الدوائي.
كما يمكن البناء على قدراتها التنافسية لاستقطاب الاستثمارات وفتح أسواق خارجية أمام الدواء اللبناني، بما يعزز القيمة المضافة ويدعم الاقتصاد ويوفر فرص العمل.
ومن الإجراءات التي تستحق البحث أيضًا إنشاء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، ولا سيما الأدوية وبعض المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والمواد التي يصعب تأمينها سريعًا في أوقات الأزمات.
والمقصود ليس التخزين العشوائي، بل إنشاء منظومة شفافة ومدروسة تحدد المواد والكميات وآليات التخزين والتجديد والتوزيع، وتمنع الانقطاع وتحمي السوق من الصدمات، مع رقابة صارمة تحول دون الهدر أو الاحتكار.
فالدولة التي تستعد للأزمات قبل وقوعها تكون أقل كلفة على مواطنيها من دولة لا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمة.
أما الطاقة، فهي الحلقة الأخرى في معادلة الاستقرار الاقتصادي. فلبنان الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المستوردة يبقى معرضًا لانتقال أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط والوقود إلى كلفة النقل والإنتاج والخدمات، ومن ثم إلى أسعار السلع.
ومن هنا تبرز أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية التي تسمح باستقطاب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة وفق عقود واضحة وشفافة وآليات رقابة ومحاسبة تحمي المصلحة العامة وحقوق المستهلك.
وتقدم تجربة القطاع الخاص في كهرباء زحلة مثالًا لبنانيًا على إمكانية إشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمات، فيما يمكن الاستفادة من نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما فيها عقود الـB.O.T، في مشاريع الطاقة والبنى التحتية، متى توافرت الشفافية والرقابة وحسن الإدارة، بالتوازي مع تطوير الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة.
المسألة، في نهاية المطاف، هي جرس إنذار جديد أمام اقتصاد لم يعد يحتمل المزيد من الهشاشة.
فالأزمات العالمية ستستمر، وأسعار الطاقة ستبقى عرضة للتقلب، وطرق التجارة الدولية ستظل مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية والأمنية.
وليس في مقدور لبنان أن يمنع هذه الأزمات أو أن يقرر ما يحدث في البحار والممرات الدولية، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يستعد لها.
المطلوب ليس الانعزال عن العالم، ولا إغلاق الأسواق أمام الاستيراد، بل بناء اقتصاد أكثر توازنًا وقدرة على الصمود؛ اقتصاد ينتج أكثر، ويستورد بكفاءة، ويصدّر بقدرة تنافسية، ويحمي المستهلك، ويضع الأمن الغذائي والدوائي وجودة الإنتاج واستدامة الطاقة في صلب سياسته الاقتصادية.
فلبنان لا يستطيع أن ينعزل عن الاقتصاد العالمي، لكنه يستطيع أن يخفف من هشاشته أمام تقلباته.
وإذا لم يبدأ بمعالجة جذور هذا الخلل، فستبقى كل أزمة خارجية مرشحة لأن تتحول إلى أزمة داخلية، وكل اضطراب في طريق تجاري عالمي إلى زيادة جديدة على المواطن.
وعندها، لن يكون السؤال فقط: ماذا حدث في هرمز أو باب المندب؟ بل: لماذا يدفع لبنان، مرة أخرى، ثمن أزمة لم يصنعها؟
وفي الختام، إذا كانت الدولة عاجزة عن معالجة الملفات السياسية المتشابكة والمرتبطة بالوضع الإقليمي، فعليها، على الأقل، أن تقدم للمواطن نموذجًا اقتصاديًا واجتماعيًا يساعده على الصمود في هذه الأيام الصعبة، ويحميه من الأعباء المعيشية والمالية والصحية والاجتماعية.
فالمواطن لا يطلب المستحيل. هو يطلب دولة تمنحه اقتصادًا أكثر إنتاجًا، وسوقًا أكثر عدالة، وخدمات أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر على مواجهة المستقبل.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.