حديث الجمعة _ أفلا تذكرون
بقلم المهندس
بسام برغوت
في زحام الحياة، وبين مشاغل الإنسان الكثيرة، قد تمرّ عليه لحظات ينسى فيها الغاية التي خُلق من أجلها، وينشغل بما هو زائل عن حقيقة ما هو باقٍ. يركض خلف المال، ويبحث عن النجاح، ويهتم بنظرة الناس إليه، ويخطط للمستقبل، لكنه قد ينسى أن وراء كل ذلك حياةً أخرى، وأن الإنسان لم يُخلق عبثًا، وأن أعظم ما يملكه هو قلبه وعقله وصلته بالله تعالى. ومن هنا يأتي النداء القرآني الذي يهزّ القلب ويوقظ الغافل: «أفلا تذكرون». إنها كلمات قليلة، لكنها تحمل دعوة عظيمة إلى التذكر، وإلى العودة إلى الله، وإلى عدم الاستسلام للغفلة.
وإذا كان ذكر الله باللسان من أعظم العبادات ولكنه لا ينحصر بترديد كلمات باللسان ، وإنما أن يتذكر الإنسان نعم الله عليه، ويتذكر الموت والآخرة، ويتذكر أن لكل عمل نتيجة، وأن لكل نعمة مسؤولية، وأن الحياة مهما طالت فهي قصيرة أمام الحياة الأبدية. فتتغير نظرته إلى الدنيا، ويصبح أكثر وعيًا بأقواله وأفعاله وقراراته، لأن الإنسان قد يعرف الحق ولكنه يحتاج إلى من يوقظ قلبه إليه. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذاريات).
إن الغفلة من أخطر الأمور التي يمكن أن يعيشها الإنسان. فقد يكون الإنسان سليم الجسد، قويًّا في عمله، ناجحًا في حياته، لكنه يعيش بعيدًا عن ربه.قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (سورة الأعراف). فالإنسان يحتاج دائمًا إلى أن يراجع نفسه، وأن يسألها: إلى أين أمضي؟ وما الذي أقدمه ليوم ألقى فيه الله؟
ومن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يتذكره نعمة الله عليه. كم من نعمة يعيشها الإنسان كل يوم ولا ينتبه إليها؟ نعمة الصحة، ونعمة الأهل، ونعمة الأمن، ونعمة الطعام والشراب، ونعمة القدرة على الكلام والحركة والتعلم والعمل. وقد يعتاد الإنسان النعمة حتى يظن أنها أمر طبيعي ينسى شكرها، ولا يعرف قيمتها إلا عندما يفقدها. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النحل).
والتذكر لا يكون في أوقات الراحة فقط، بل يظهر أثره الحقيقي في أوقات الشدة. عندما يمر الإنسان بمشكلة، قد يشعر أن الأبواب كلها أُغلقت، ولكن تذكر الله يمنحه الطمأنينة والأمل. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد). فالطمأنينة الحقيقية لا تعني أن الإنسان لن يواجه المشكلات، وإنما تعني أنه يواجهها وهو يعلم أن الله معه، وأن رحمته أوسع من كل ضيق.
وقد يمر الإنسان بمرحلة يشعر فيها أن دعاءه لم يُستجب، أو أن أمنيته تأخرت، أو أن الطريق أصبح صعبًا. وهنا يحتاج إلى أن يتذكر أن الله يعلم ما لا يعلمه الإنسان، وأن تأخر الأمر لا يعني غياب الرحمة. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة).
ومن أهم ما ينبغي أن يتذكره الإنسان الموت. فالموت حقيقة لا يستطيع أحد أن يهرب منها، مهما اختلفت أعمار الناس وأماكنهم وأعمالهم. يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (سورة آل عمران). وتذكر الموت لا يعني أن يعيش الإنسان حزينًا أو خائفًا طوال الوقت، بل يعني أن يعيش بوعي، وأن يعرف قيمة الوقت، وأن يتجنب ظلم الناس، وأن يسارع إلى الخير، وأن يصلح ما يستطيع إصلاحه قبل فوات الأوان.
إن عبارة «أفلا تذكرون» تحمل في داخلها سؤالًا يهزّ الضمير: بعد كل هذه النعم، ألا نتذكر؟ بعد كل ما رأيناه في الحياة، ألا نتعظ؟ بعد أن رأينا أناسًا رحلوا من حولنا، ألا نتذكر أن الرحيل قادم؟ وبعد أن أخطأنا ثم وجدنا باب التوبة مفتوحًا، ألا نتذكر رحمة الله؟ وبعد أن ضاقت بنا الحياة ثم جاء الفرج، ألا نتذكر فضل الله علينا؟
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ (سورة الأعلى). فالذكرى قد تكون كلمة يسمعها الإنسان في وقتها فتغير شيئًا في داخله، وقد تكون آية يقرأها فتوقظ قلبه، وقد تكون موقفًا يمر به فيجعله يعيد حساباته.
ختاماً
إن «أفلا تذكرون» ليست مجرد عبارة نقرأها ثم نغلق المصحف، بل هي دعوة إلى أن نعيش بقلوب واعية، وأن نرى نعم الله، ونتذكر رحمته، ونخاف من ظلمه لعباده، ونحسن إلى الناس، ونستعد للقاء الله. فكم من موقف مرّ بنا وكان فيه درس، وكم من نعمة كانت تستحق الحمد، وكم من لحظة كانت تحتاج إلى توبة، وكم من طريق كان يحتاج إلى وقفة مع النفس.
فلنجعل التذكر جزءًا من حياتنا، لا موسمًا مؤقتًا. لنتذكر الله في الرخاء قبل الشدة، وفي الصحة قبل المرض، وفي القوة قبل الضعف، وفي الوقت قبل أن يمضي. ولنتذكر أن الإنسان مهما جمع من الدنيا سيتركها، وأن ما يبقى له هو عمله وأثره وما قدمه بين يدي الله.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (سورة الكهف). فكلما نسينا، فلنعد. وكلما ابتعدنا، فلنقترب. وكلما أخطأنا، فلنتب. وكلما أنعم الله علينا، فلنشكر. ولنسأل أنفسنا دائمًا: ماذا تعلمنا؟ ماذا قدمنا؟ وإلى أين نسير؟
وحينها فقط نفهم المعنى العميق للنداء القرآني: أفلا تذكرون؟
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.