من روسيا إلى سوريا ولبنان: المازوت مادّة مُشتعلة

4

بقلم عبادة اللدن

«اساس ميديا»

يفرض الديزل (المازوت) نفسه هذا الخريف على أنّه المادّة الأكثر اشتعالاً في السياسة الدوليّة. تجاوز متوسّط سعره في الولايات المتّحدة ستّة دولارات للغالون للمرّة الأولى في التاريخ، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس، وتحوّل نقصه في روسيا إلى مادّة سياسيّة داخليّة، فصار الروس يصطفّون ساعات أمام المحطّات ويشترون البنزين بأرقام لوحاتهم الفرديّة والمزدوجة. وأشعل رفع سعره في سوريا أوسع موجة احتجاجات منذ سقوط بشّار الأسد، وقد يتحوّل في لبنان إلى مادّة متفجّرة مع اقتراب الشتاء.

تجاوزت أزمة الديزل في حدّتها أزمة النفط الخام. في حين يراوح سعر مزيج برنت بين 107 و110 دولارات، أي أنّه ما يزال بعيداً عن ذروته التاريخيّة بفارق واسع، ودون ذروة 2022 أيضاً، سجّل الديزل رقماً قياسيّاً، بفعل النقص العالميّ في طاقة التكرير إثر حرب إيران والهجمات الأوكرانيّة على المصافي الروسيّة الضخمة. وهذا ما استدعى تدخّلاً من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للتوسّط في تفاهم جزئيّ على تحييد منشآت الطاقة عن الهجمات الروسيّة- الأوكرانيّة المتبادلة.

أسباب الأزمة

أتى ذلك بعد أن أدّت الضربات الأوكرانيّة بالمسيّرات إلى خروج ما بين ربع الطاقة التكريريّة الروسيّة وثلثها من الخدمة، أي ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميّاً. ويبدو أنّ الهجمات الأوكرانيّة موجّهة بدقّة لتصيب وحدات المعالجة الثانويّة التي يستغرق استبدالها من ستّة أشهر إلى ثمانية، وتمنع العقوبات استيراد بدائلها.

هذا الواقع اضطرّ موسكو إلى فرض حظر كامل على تصدير الديزل اعتباراً من 8 تمّوز الماضي، ثمّ مدّدته شهراً بعد شهر، ومنعت تصدير البنزين حتّى نهاية كانون الثاني 2027 ووقود الطيران حتّى تشرين الثاني. تلك القرارات أثّرت في السوق العالميّة بشكل كبير، باعتبار أنّ روسيا كانت تشكّل 10% من صادرات الديزل العالميّة قبل الحظر.

بالتزامن، أفقدت حرب إيران السوق يوميّاً أكثر من ثلاثة ملايين برميل من المنتجات المكرّرة، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدوليّة، إمّا بسبب الهجمات المباشرة وإمّا بسبب إغلاق مضيق هرمز، وما يزال جزء كبير من تلك الطاقة خارج الخدمة حتّى اليوم.

لتكتمل الأزمة، أمرت الصين المصافي الكبرى بتعليق تصدير الديزل والبنزين لحماية السوق الداخليّة، فهبطت صادرات الصين من الديزل إلى أدنى مستوى في عقد خلال حزيران. وما فاقم أزمة الديزل تحديداً أنّ المصافي حوّلت جزءاً من إنتاجها إلى وقود الطائرات، بعد انخفاض مخزوناته بشكل كبير في الأشهر الماضية.

أتت هذه الأزمة بعد عقود من عزوف الدول الغربيّة عن الاستثمار في المصافي، إذ أغلقت أوروبا نحو ثلاثين مصفاة بين 2009 و2024، وشهدت الولايات المتّحدة سبع عمليّات إغلاق وتحويل في المصافي منذ 2019، ما أفقدها نحو 1.2 مليون برميل يوميّاً من الطاقة التكريريّة.

في المجمل، قدّرت وكالة الطاقة الدوليّة أنّ الإغلاقات الدائمة وأضرار الحرب خفّضت إنتاج الوقود العالميّ بنحو 4.5 ملايين برميل يوميّاً في الربع الثاني من 2026.

اختناقات سياسيّة

لم يسبق للديزل أن كان مادّة سياسيّة متفجّرة إلى هذا الحدّ. في الولايات المتّحدة، تنذر الأسعار القياسيّة بموجة جديدة من التضخّم، فيما يتزايد قلق الجمهوريّين من أنّ الاستطلاعات تحمّل ترامب مسؤوليّة ارتفاع الأسعار. وفي موسكو، انقلب سلاح الطاقة إلى مشكلة داخليّة، بعد أن امتدّ التقنين إلى أكثر من نصف المناطق الروسيّة، وطال بحلول تمّوز نحو خمسين مليون شخص، أي ما يقارب 35 في المئة من السكّان.

في سوريا، رفعت الحكومة سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة جديدة، بزيادة 40 في المئة خلال تسعة أيّام، فخرجت احتجاجات في إدلب وحماة وحلب والرقّة، وقطعت طريق دمشق-حلب، وطالبت بإقالة وزير الطاقة.

أمّا لبنان فيستورد الأزمة مضاعفة. تستورد الدولة الفيول أويل لتشغيل معامل الكهرباء، فيما يعتمد تشغيل المولّدات الخاصّة على استيراد المازوت. وما حدث أنّ وزارة الطاقة انتهجت سياسة تقشّفيّة في مواجهة ارتفاع أسعار الفيول أويل، فخفضت ساعات التغذية من الشبكة العامّة إلى نحو ساعتين يوميّاً، بإنتاج لا يتجاوز 200 ميغاواط بنصف قدرة معملَي الزهراني ودير عمار، بهدف الحدّ من الإنفاق على استيراد الفيول.

فاتورة المولّدات

هذه السياسة أدّت حكماً إلى زيادة تشغيل المولّدات الخاصّة، وبالتالي إلى زيادة مضاعفة لفاتورة استيراد المازوت، مع العلم أنّ تكلفة إنتاج الكهرباء في المولّدات تعادل ضعفَي التكلفة لدى مؤسّسة “كهرباء لبنان”. هكذا ارتفعت تكلفة الكهرباء على الأسر مرّتين: مرّة بسبب ارتفاع أسعار المازوت، ومرّة بسبب زيادة تشغيل المولّدات لتعويض نقص تغذية الشبكة العامّة. وبذلك تكون الدولة قد رفعت فاتورة استيراد المحروقات، لكنّها نقلت التكلفة من الخزينة العامّة إلى جيوب الناس وميزان المدفوعات.

بالأرقام، شكّلت واردات الطاقة نحو 23 في المئة من إجمالي واردات لبنان في 2025، ويتوقّع البنك الدوليّ ارتفاع هذه الفاتورة بنحو 17.5 في المئة بنهاية 2026، وما فعلته الحكومة سيزيد هذا العبء على الحساب الجاري وميزان المدفوعات، بدلاً من أن يخفّفه.

عبادة اللدن

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.